في 26 أغسطس الماضي، شهدنا انهيار جزء من نهر جليدي ارتفاعه يتجاوز 5000 متر في جبال الهيمالايا بنيبال، مما أدى إلى إطلاق كتلة ضخمة من الجليد والصخور بسرعة تصل إلى 50 مترًا في الثانية. هذا الحادث تطور بسرعة إلى سيل طيني مدمر وصل إلى ميناء “جيرونج” على الحدود الصينية خلال دقائق، مما أسفر عن تدمير غالبية المرافق هناك ودفنها، بينما جرفت السيول قرى بأكملها في نيبال، مما خلف مئات القتلى وآلاف المفقودين.
تتجاوز دلالات هذه الكارثة الفيضانات الجبلية المفاجئة، فتسلط الضوء على خطر مناخي أعمق زاحف نحو المدن الساحلية؛ مع ارتفاع درجات الحرارة المستمر، يتسارع ذوبان الجليد عالميًا مما يرفع مستويات المياه في البحار والمحيطات.
في مدن مثل جاكرتا وبانكوك، وشنغهاي ومومباي ونيويورك، تزداد التهديدات التي تواجهها المناطق المنخفضة وسكانها وبنيتها التحتية، سواء من الغرق التدريجي بمياه البحر، أو من الفيضانات المتكررة الناجمة عن الأمطار الغزيرة. والسؤال الأهم وسط هذا الخطر المباغت الذي حل بنيبال والتهديد البطيء الذي يتجه نحو السواحل هو: كيف يهدد تسارع ذوبان الجليد وارتفاع منسوب البحار كبرى مدن العالم بالغرق؟
570 مدينة ساحلية تحت التهديد
وفقًا لتحليل أجرته شركة زيورخ للتأمين، تُعتبر 570 مدينة ساحلية تضم أكثر من 800 مليون نسمة عرضة لارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار 0.5 متر فقط بحلول عام 2050، ويزداد هذا الخطر مع التوسع الحضري السريع الذي يدمر غابات المانغروف والشعاب المرجانية والمستنقعات والكثبان الرملية التي تعمل كحواجز طبيعية ضد الفيضانات.
يزداد المشهد قتامة مع دراسة نشرتها مجلة Nature Communications، التي أشارت إلى أنه بحلول عام 2050، قد يؤدي ارتفاع مستوى سطح البحر إلى أن تكون متوسط الفيضانات الساحلية السنوية أعلى من الأراضي التي يسكنها اليوم 300 مليون شخص، والأكثر خطورة، أن مستويات المد المرتفع قد ترتفع بشكل دائم فوق أراضٍ يسكنها أكثر من 150 مليون شخص، منهم 30 مليونًا في الصين.
آسيا في مقدمة الصفوف
تتقدم القارة الآسيوية كأكثر المناطق تعرضًا للخطر، خصوصًا العاصمة التايلاندية بانكوك. وفقًا لمؤشرات Earth.Org، تُعتبر بانكوك من المدن الأكثر عرضة للخطر نتيجة ارتفاع مستوى البحار، حيث إنها تقع بمعدل ارتفاع 1.5 متر فقط فوق سطح البحر، وتتحمل بالفعل تكلفة هذه الظاهرة الناتجة عن تغير المناخ. النتائج المتوقعة مروعة: قد يغمر ثلث العاصمة بالكامل بحلول 2050، مما يؤدي إلى تهجير حوالي 11 مليون شخص.
أما جاكرتا، عاصمة إندونيسيا، فهي تمثل المثال الأكثر درامية على “المدن الغارقة”، حيث بُنيت على أرض منخفضة بجوار البحر وقد أدى استخراج المياه الجوفية إلى غرق المدينة بما يقارب ثلاثة أمتار بين عامي 1947 و2010، ولا تزال الأجزاء الكبيرة منها تغرق بمعدل 10 سنتيمترات أو أكثر سنويًا. وقد دفعت هذه الظروف الحكومة الإندونيسية إلى قرار جذري لنقل العاصمة إلى مدينة جديدة تُدعى نوسانتارا، التي تبعد أكثر من 620 ميلًا عن جاكرتا.
كما أن مدن آسيوية كبرى أخرى لا تنجو من الخطر، فقد صنّفت اللجنة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) كلًا من بانكوك ومانيلا وشنغهاي ضمن أسرع المدن غرقًا في العالم.
ماذا عن الإسكندرية؟
كشفت دراسة أجرتها جامعة جنوب كاليفورنيا في 2025 عن انهيارات في عدة مباني بمدينة الإسكندرية، مشيرة إلى أن ذلك يرتبط بشكل مباشر بارتفاع منسوب مياه البحر وتسللها للأراضي. وأظهرت الدراسة أن انهيارات المباني في الإسكندرية زادت من حوالي انهيار واحد في السنة إلى 40 انهياراً خلال العقد الماضي.
ردًا على هذه الدراسات، قال وزير الري والموارد المائية الدكتور هاني سويلم في منشور له على فيسبوك قبل شهر: “لقد سمعنا لسنوات أن الإسكندرية ستغرق وأن الدلتا في خطر من ارتفاع مستوى البحر المتوسط، وللأسف “حديث كثير .. وعلم قليل”.
التهديد الخفي: هبوط الأرض
لا يقتصر الخطر على ارتفاع البحار فحسب، بل يتضاعف مع ظاهرة “هبوط الأرض”. وفقًا لأبحاث حديثة، يواجه سكان المناطق الساحلية ذات الكثافة السكانية العالية تهديدًا خفيًا يجعل ارتفاع مستوى البحر أكثر خطورة، حيث يشهدون ارتفاعًا نسبيًا في مستوى البحر يبلغ حوالي 6 مليمترات سنويًا، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف المعدل الساحلي العالمي.
الولايات المتحدة ليست في مأمن
في أمريكا، كشفت دراسة نشرت في مجلة Nature عام 2024 عن حقائق مقلقة، حيث من المتوقع أن يرتفع مستوى سطح البحر على طول السواحل الأمريكية بمقدار 0.25–0.3 متر بحلول 2050، مما يزيد من احتمالية حدوث فيضانات وغمر مدمر في المدن الكبرى. وباحتساب ظاهرة هبوط الأرض، توصلت الدراسة إلى أنه حتى مع الأخذ بعين الاعتبار الهياكل الدفاعية الساحلية الحالية، فإن منطقة تتراوح بين 1006 و1389 كيلومترًا مربعًا مهددة من حيث ارتفاع مستوى سطح البحر بحلول 2050، الأمر الذي يشكل تهديدًا لسكان يتراوح عددهم بين 55 ألفًا و273 ألفًا، بالإضافة إلى 31 ألفًا إلى 171 ألف عقار.
تتربع ميامي على قائمة المدن الأمريكية الأكثر عرضة، حيث أظهرت أكبر نسبة تعرض للفيضانات، مع ما يصل إلى 122 ألف شخص و81 ألف عقار قد تكون معرضة للخطر بحلول 2050، كما حذر الباحثون من أن المجتمعات الأكثر فقراً والأقليات هي الأكثر عرضة للخطر، وفقًا للدراسة.
الأمم المتحدة تحذر: ارتفاع مستوى البحر أكبر تهديد أمام العالم
في هذا السياق، أكد مساعد الأمين العام للأمم المتحدة في إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، نافيد حنيف، أن تسارع ارتفاع مستوى البحر يتطلب من الدول تعزيز قدرتها على التحمل، وزيادة حجم التمويل، وتعزيز الطموحات لمواجهة تداعيات هذه الظاهرة بشكل سريع.
وحذر حنيف خلال تقديمه تقرير الأمين العام للأمم المتحدة حول هذا الموضوع أمس الثلاثاء من أن منسوب البحار يرتفع بسرعة بسبب تغير المناخ الناجم عن الأنشطة البشرية، والاحترار الكبير للمحيطات، التي تمتص حوالي 91% من الحرارة، بالإضافة إلى ذوبان الأنهار الجليدية.
وأوضح أن متوسط ارتفاع مستوى مياه البحر عالميًا بلغ 4.7 ملليمتر سنويًا بين عامي 2014 و2023، بينما سجل عام 2024 قدراً قياسياً بارتفاع 5.9 ملليمتر.
شدد المسؤول الأممي على أن ارتفاع مستوى البحار “لم يعد خطرًا في المستقبل، بل أصبح واقعًا قائمًا ويتفاقم ببطء”، بينما أكد تقرير الأمم المتحدة أن تسارع هذه الظاهرة يجعلها واحدة من أخطر التهديدات التي تواجه السكان في جميع أنحاء العالم، سواء في الدول المتقدمة أو النامية.
عالمٌ عند مفترق طرق
من بانكوك إلى جاكرتا، ومن ميامي إلى نيويورك، تتكرر التحذيرات العلمية من مستقبل تصبح فيه المياه جزءًا لا يتجزأ من المشهد اليومي للمدن الساحلية، مع ارتفاع مستوى البحر وهبوط الأرض في عدة مناطق. لكن الدراسات لا تضع نهاية حتمية لهذه المدن، بل تكشف عن حجم المخاطر وتمنح الحكومات فرصة للتأهب.
تشير الدراسات إلى أن خفض الانبعاثات، وحماية السواحل، وإدارة المياه الجوفية، وتطوير البنية التحتية، يمكن أن تحدد إلى حد كبير حجم الخسائر وقدرة المدن على البقاء. بين ارتفاع مستوى البحار وقدرة البشر على التكيف، يبقى مستقبل ملايين السكان الذين يعيشون على شواطئ العالم في اختبار مع الزمن.
