تعد الموازنة بين الأمومة والعمل تحدياً في العديد من المجالات، لكنها تمثل مسألة معقدة بشكل خاص للاعبات كرة القدم، حيث تتزامن سنوات الذروة الرياضية كثيراً مع مرحلة الخصوبة البيولوجية في الحياة. لذا، يمكن اعتبار الاختيار بين المسيرة المهنية وتخطيط الأسرة قراراً حاسماً للغاية.
تشير لاريتز لوكاس لـ DW: “بالنسبة للمرأة التي قد تستمر مسيرتها المهنية على أعلى مستوياتها لمدة عشرة أعوام تقريباً، فإن شعوراً يسيطر عليها بأن الحمل ليس خياراً متاحاً.” وهي لاعبة سابقة في نادي ريال سوسيداد سان سيباستيان بإسبانيا. وتوضح أن الرياضيات اللواتي يتنافسن على أعلى مستويات يركزن على الحاضر ومتطلبات الأداء الرياضي، مما يؤدي إلى تأجيل قرارات تتعلق بتكوين أسرة أو الإنجاب في كثير من الأحيان.
تجميد البويضات كخيار
قبل بضع سنوات، لم تتجاوز نسبة لاعبات كرة القدم اللواتي حملن أثناء مسيرتهن الرياضية 2 في المئة. واضطرت الكثيرات إلى الاعتزال أو تعليق مسيرتهن لفترة من أجل تكوين أسرة. ومع تزايد احترافية كرة القدم النسائية، بدأت الأندية والاتحادات في إبداء اهتمام متزايد بكيفية دعم اللاعبات الراغبات في إنجاب أطفال.
لم تُطبق قواعد إلزامية لحماية حقوق الأمومة في كرة القدم إلا في عام 2021، وتم توسيع نطاقها في عام 2024. وفي الوقت نفسه، أصبح تجميد البويضات خياراً مهماً للاعبات اللواتي يرغبن في تأجيل الحمل إلى وقت لاحق.
كان نادي راسينغ لويزفيل الأمريكي الأول الذي تغطي تكاليف هذه العلاجات في عام 2021. كما أعلن نادي تشيلسي الإنجليزي هذا الشهر أنه سيقدم للاعباته تمويلاً لتجميد البويضات بناءً على رغبتهن.
هذا التطور يحظى باهتمام خاص في إسبانيا؛ حيث من المتوقع، وفقاً لتقارير إعلامية، وبمبادرة من اللاعبة الدولية أليكسيا بوتياس ولاعبات أخريات، أن يكون الاتحاد الإسباني لكرة القدم أول اتحاد وطني يطبق برنامجاً مشابهاً.
استخراج البويضات أثناء الموسم الكروي أمر مرهق
بالنسبة إلى لاريتز لوكاس، لم يكن هذا الخيار متاحًا خلال مسيرتها الكروية النشطة، حيث انتهت مسيرتها منذ أكثر من عشر سنوات. وفي وقت لاحق، خضعت لعملية استخراج البويضات لتمكين شريكتها من إنجاب طفل.
تقول لوكاس: “تحاولين الاستمرار في التدريب واللعب بأفضل ما لديك، ولكن بغض النظر عن كيفية مواءمة العلاج مع أيام الراحة من المباريات، فإن الأمر كان صعباً. لم تكن الظروف مثالية على الإطلاق قبل عملية الاستخراج وأثناءها وبعدها.”
تستغرق عملية تجميد البويضات عادة حوالى ثلاثة أسابيع، حقن النساء أنفسهن خلالها بالهرمونات يومياً. بعد ذلك، تُستخرج البويضات تحت تأثير التخدير وتُجمَّد. وإذا كانت البويضات ستُستخدم لاحقًا، يتم إذابتها وتخصيبها بالحيوانات المنوية لتكوين أجنة.
لكن حسب طبيبة أمراض النساء لميا زفراني، المتخصصة في صحة الرياضيات، تؤكد أن هذه العملية ليست ضمانة للحمل في المستقبل. وتقول لـ DW: “تجميد البويضات ليس تأميناً يضمن التعويضات.” “صحيح أنه من الأفضل تجميد البويضات في سن مبكرة، لأن جودتها تكون أعلى في تلك المرحلة. ومع ذلك، لا توجد ضمانات بأن البويضات ستتطور إلى أجنة بعد إذابتها، أو أنها ستؤدي في نهاية المطاف إلى حمل وولادة ناجحين”.
لذلك، تبرز أهمية إطلاع الرياضيات بشكل شامل على المزايا المحتملة والمخاطر المرتبطة بهذا الخيار. وتؤكد زفراني: “في النهاية، الأمر يتعلق بتمكين المرأة من اتخاذ قرار مستنير”.
مخاوف من الضغط غير المباشر على اللاعبات
وفقًا للطبيبة، فقد زاد عدد الرياضيات اللواتي يستفسرن عن هذا الإجراء في عيادتها بلندن. وتقول: “تسأل اللاعبات بوضوح عن هذه الإمكانية.” “في الوقت نفسه، هناك العديد من الفروق الدقيقة في هذا الموضوع. من الإيجابي أن تستجيب الاتحادات لرغبات اللاعبات. ولكن من الناحية الأخلاقية، يطرح السؤال نفسه حول ما إذا كان عرض تجميد البويضات ينقل بشكل غير مباشر الرسالة التالية: “لا تحملن طالما أنتن تلعبن معنا”. وهذا قد يشكل مشكلة.”
وتشارك ألكسندرا غوميز بروينوود، المديرة القانونية للاتحاد الدولي للاعبات، هذه المخاوف. فقد شاركت في صياغة المبادئ التوجيهية لحماية حق الأمومة التي أقرها الاتحاد الدولي لكرة القدم، وتعمل حاليا على وضع إرشادات بشأن الإنجاب بمساعدة طبية، بما في ذلك تجميد البويضات. ومن المهم اطلاع اللاعبات بشكل شامل على الخيارات المتاحة لهن.
وتقول بروينوود لـ DW: “لا نريد أن يُستخدم تجميد البويضات كأداة لمنع اللاعبات من الحمل خلال مسيرتهن المهنية. يجب أن يكون لهن الحق في اتخاذ القرار بأنفسهن بشأن متى وكيف يرغبن في أن يصبحن أمهات.”
دور قواعد مكافحة المنشطات
علاوة على ذلك، هناك جوانب أخرى تتقاطع بين الخصوبة والرياضة الاحترافية، من بينها التضارب المحتمل مع لوائح مكافحة المنشطات. “في إجراءات الإنجاب بمساعدة طبية، وعند تجميد البويضات، قد تضطر بعض اللاعبات إلى تناول هرمونات، وقد تُعتبر بعض هذه المواد محظورة وفقًا للوائح الوكالة العالمية لمكافحة المنشطات،” أوضحت بروينوود.
لذا، يجب تجنب فرض عقوبات على اللاعبات حتى لو كنّ يخططن للحمل فحسب، أو يرغبن في تحسين فرصهن في الحمل لاحقاً.
لا توجد حلول عالمية موحدة
كما أكدت بروينوود أن تطبيق لائحة موحدة على مستوى العالم أمر صعب التنفيذ؛ بسبب اختلاف التكاليف والإجراءات الطبية وفترات التعافي بشكل كبير. لذا، يجب أن تُتخذ القرارات بالاستناد إلى مشورة أخصائيين طبيين. وفي الوقت نفسه، تختلف الظروف العامة لكرة القدم النسائية بشكل واسع من بلد لآخر وتتباين درجات الاحتراف والموارد المالية.
وصرحت بروينوود: “في رأيي، يكمن الحل الأمثل في المفاوضات الجماعية على المستوى الوطني.” “هذه الإجراءات مكلفة للغاية، ومن المرجح أن معظم اللاعبات في جميع أنحاء العالم لن يتمكن من الوصول إليها لأسباب مالية بحتة.”
بالنسبة إلى لوكاس وزفراني وبروينوود، يبقى المبدأ الأهم في النهاية هو حرية الاختيار والتوعية وحق المرأة في تقرير مصيرها. ويمثل تجميد البويضات خياراً إضافياً قد يتيح للاعبات كرة القدم مرونة أكبر في التخطيط لمستقبلهن الأسري، وليس معياراً جديداً أو مساراً مفروضاً لاتخاذ قرارات تتعلق بالإنجاب وتكوين الأسرة.
أعده للعربية: م.أ.م
مراجعة: طارق أنكاي
