
فلسطين المحتلة – خاص : بتاريخ 2022/9/9، الساعة الواحدة والنصف ليلاً في سجن ايشل بئر السبع؛ أتم الأسير حسن سلامة كِتابه بعنوان ثلاثة نفر. وفيه يتحدث عن علاقته بكل من الشهيد المهندس يحيى عياش الذي استشهد بتاريخ 5\1\1996 ما دفع كتائب عز الدين القسام بأمر من القائد العام محمد الضيف “أبو خالد” بتنفيذ عمليات مقاومة رداً على اغتيال المهندس وصناعة معادلة ردع لمواجهة العدو الصهيوني وتحويل سياسة اغتيال القادة الفلسطينيين إلى كلفة عالية على الاحتلال.
وتم إعطاء الأمر للتنفيذ والعمل للأسير حسن سلامة الذي انتقل بدوره من قطاع غزة للضفة الغربية ومنها للوالداخل المحتل للتخطيط والإعداد لتنفيذ عمليات الرد “الثأر الم”، وخلال المسار الجهادي لحسن حصل ما لم يكن ضمن الخطة والإعداد للتنفيذ؛ وهو انقطاع التواصل بين سلامة وكتائب القسام بقطاع غزة بعد إعلامه بعدم إمكانية إرسال استشهاديين من القطاع للتنفيذ، ما دفع حسن إلى التفكير والمواءمة بين استمرار الخطة كما مخطط لها وإيجاد بديل للفجوة التي حصلت من أجل التنفيذ، ومن هنا تعرف على كُل من الاستشهاديين: مجدي أبو وردة، إبراهيم السراحنة، رائد الشغنوبي.
وهؤلاء الثلاثة الأتقياء هم من يكتب سيرتهم الأسير حسن سلامة في كتابه؛ ففيه يتحدث عن تعرفه عليهم ودورهم بعزمهم ويقنيهم العقائدي لتدفيع الاحتلال الثمن على جرائمه، وكيف شكلت صلابتهم وصدقهم السبب في نجاح عمليات الثأر الموتحقيق خسائر كبيرة بصفوف العدو.
والمشترك بين كاتب السيرة كشاهد وراوي وأصحاب الاصطفاء المكتوبة سيرتهم هنا، هو المهندس العياش الذي زرع وغرس رعب وخوف في نفوس العدو في فلسطين المحتلة فترات طويلة وأصبحت فكرة السير على طريقه هدف وتنافس بين اللاحقون له ممن سوف يصبحون شهداء، وبهذا توزع اختبار الله واصطفائه بين من اختارهم شهداء ومن اختاره ليكون ابتلاؤه داخل السجن ليبقى شاهد وراوي بدمه وجسده على ما قدمه حتى اليوم وهو صاحب الكتاب الأسير حسن سلامة.
بكتابه الواقع بــ 78 صفحة يتحدث حسن بشكل مباشر عن المسار الذي سار فيه لتنفيذ علميات الثأر الم، فلولا ثلاثة شباب عاهدوا أنفسهم أن يسيروا على طريق الجهاد وجعل المقاومة هدف وغاية لتحقيق كرامتهم وكرامة شعبهم؛ لما تمت أهم سلسلة عمليات عسكرية نفذتها حركة المقاومة الإسلامية حماس بجناحها العسكري المتمثل بكتائب عز الدين القسام.
فكُل من مجدي وإبراهيم ورائد عند وصف حسن سلامة لهم، اشتركوا بعقيدتهم الإيمانية ورفض الظلم والاحتلال والبحث عن طريقهم للجهاد والمقاومة منذ طفولتهم، فهؤلاء المُختارين عملوا وعاشوا بين أسرهم كسائر الشباب والفتية الفلسطينيين وشقوا طريق عملهم لإعالة أسرهم بأوضاع اقتصادية صعبة. فمن مخيم الفوار في مدينة الخليل كان كل من مجدي وإبراهيم، ومن الجنوب حتى الشمال في برقة نابلس كان رائد الذي كان يتعلم في رام الله في “معهد رام الله” وعند عودته لقريته يُعلم الأطفال في المسجد.
وبينهم كان محمد أبو وردة الذي ربط حسن مع هؤلاء المختارين للتجنيد ضمن صفوف كتائب عز الدين القسام ومن ثمن ربطهم بعد التجنيد مع خلية القسام التي كانت تتموقع في مدينة ال، وكله تحت إشراف ومتابعة مباشرة لحسن سلامة القائد القسامي الذي عرف عن نفسه باسم أبو أحمد كاسم حركي خلال عمله على تنفيذ الثأر الم.
تم تحديد مواقع أهداف عملية الثأر المفكانت في مدينة عسقلان في موقف\محطة انتظار باص لجنود الاحتلال بزيهم الرسمي، وهدف في مدينة الفي حافلة رقم 18 في شارع يافا- تل أبيب، والهدف الثالث كان تكرار موقع الحافلة رقم 18 لاختراق المنظومة الأمنية الصهيونية. فنفذ مجدي أبو وردة عمليته في الحافلة رقم 18، وإبراهيم السراحنة في عسقلان؛ أما رائد فنفذ عمليته نفس موقع حافلة رقم 18. وتكللت عمليات الثأر المبأهدافها المحددة بنجاح كبير وحققت خسائر كبيرة في صفوف العدو الصهيوني.
وخلال كتابة حسن لكتابه “ثلاثة نفر” لا يكتفي بتوثيق سيرة شهداء غرسوا بذرة مقاومة استمرت بعدهم بعمليات وطرق مختلفة، بل يذهب إلى أعمق من ذلك؛ فما بين السيرة العملياتية والتوثيق الفدائي لمقاومة مستمرة، يوجد سياق اجتماعي- سياسي نشأ فيه الشهداء الأبطال ونشأ فيه كاتب الكتاب، فهو يكتب تجربته التي ما زال يعيشها داخل سجون العدو الصهيوني لليوم منذ اعتقاله، ولا يعزل نفسه عن كقائد ومسؤول عن تحقيق تنفيذ عمليات الثأر المبل يغبط الشهداء لاصطفائهم هم دون غيرهم ولا يرى نفسه بموقع القوة التنفيذية لتنفيذ حالة ثأر فقط كعمل مرحلي، بل سعى قبل تجنيد الشهداء للتأكد من صفاء نيتهم وخالص عملهم لله تعالى وصدق مسارهم وطريقهم الجهادي.
فقد رأى فيهم معنى المقاومة الصادق المُتشكل من مسار سابق لتجنيدهم عبر المواجهات ضد جيش الاحتلال والمشاركة في المسيرات واتخاذهم قرار البحث عن طريقهم حتى التقوا بحسن الذي كان المحطة التي انتظروها طويلاً وبحثوا عنها، وهنا يلتقي طريقهم بالبحث وصدق العمل مع طريق الشهيد باسل الأعرج الذي كتب قبل استشهاده ” وجدت أجوبتي”، فمهما اختلفت مواقع الشهداء ومسقط رأسهم إلا أن سيرتهم تلتقي بمسار بحث مشترك وهو: البحث عن طريق المقاومة لمواجهة الاحتلال.
وهو الطريق الذي ظهر بشكل مباشر في توثيق الأسير حسن كشاهد وفاعل حَي ما زال يقاوم حتى اليوم ولم يحيد عن طريق الجهاد والمقاومة. أما عن عُقدة الكتاب فهي في جوهره الذي كتب عنه حسن وهو أن رأس مال المقاومة هم الشهداء لا كأرقام أو عابرين بدون أثر، بل بشباب حملوا هم المقاومة وسعوا لإنجاح فعلها وديمومة أثرها بكل إنسانية جسدوها، فهم ليسوا بائسين يبحثون عن الموت لأجل الهروب من واقع صعب ومُر يعيشون فيه، بل يبحثون عن المقاومة لأجل حياة كريمة لهم ولشعبهم، ولذلك عرفهم حسن بأنهم ” رأس مال الشعب والمقاومة” ورأس المال هنا هو سلعة غالية لا يُمكن أن تُشترى بالمال أو بالتعبئة الكلامية فقط؛ بل تحتاج إرادة وصدق حقيقي للفعل والتنفيذ؛ فالاستشهادي عندما يقرر أن يضحي بروحه لأجل الحرية يكون في لحظة القرار قد اتخذ أسمى شكل من أشكال المواجهة وهو التضحية بروحه ونفسه فداءً لدينه ووطنه وشعبه.
عند كتابة سطور هذه المراجعة لا يزال كاتب هذا التوثيق يعيش ظلمات السجن وقساوة المواجهة، وفي رسالة أخرجها الأسير حسن لزوجته وصف أوضاع الأسرى بالصعبة وأنهم أصبحوا من أصحاب الكهف ” لا أعلم هل أصبحنا من أهل الكهف أم من أهل القبور؟! .. جميعنا تحول إلى هياكل عظمية.” إلا أن يقين الايمان بأن من بعث أصحاب الكهف بعد سنين طويلة لن يتركهم وحدهم، واختيار سلامة للوصف والتساؤل عن نفسه ورفاقه الأسرى بأنهم أصبحوا من أصحاب الكهف أم أهل القبور لم تكن للتعبير لربما فقط عن قساوة وألم ما يعيشوه، فالقسامي عندما يختار كلماته لإيصال واقع مُر يعيشه داخل السجون يعلم بأن القهر والألم والعذاب هذا كله في سبيل قضية آمن بها وما زال، فما وراء ألم الوصف عن الظلم والعجز الحالي تجاه الأسرى يوازيه عقيدة إيمانية بأن الحرية هي حق سينتزع انتزاع ولن يتم المساومة عليه.
وهذا يفرض علينا نحن من في الخارج مسؤولية أخلاقية ووطنية ألا ننساهم وألا يكونوا وحدهم؛ فهم يدفعون ثمن الحياة التي نعيشها اليوم، فاليوم نحن شباب وشابات لم نكن لنكون ونكبر ونصبح ما نحن عليه لولا الثُلة المباركَة التي اختارت طريق المقاومة لصناعة حياة ومستقبل لنا.
