
الالمحتلة – : في 25 سبتمبر 1996، تحولت الالمحتلة إلى ساحة مواجهة مفتوحة، بعدما أعلنت حكومة الاحتلال افتتاح بوابة نفق أسفل المسجد الأقصى المبارك وبيوت البلدة القديمة، في خطوة فجرت غضبًا فلسطينيًا واسعًا امتد سريعًا من الإلى مختلف مناطق الضفة الغربية وقطاع غزة، وأطلق واحدة من أبرز الهبات الشعبية التي شهدتها فلسطين في تسعينيات القرن الماضي.
بلغ طول النفق نحو 450 مترًا، وكان افتتاحه في ذلك الوقت جزءًا من مخططات هدفت إلى تعزيز السيطرة على محيط المسجد الأقصى والبلدة القديمة، في ظل مساع متواصلة لفرض وقائع جديدة على المكان. وما إن أعلن الاحتلال افتتاح النفق حتى اندلعت مواجهات واسعة في ال، سرعان ما امتدت إلى مختلف المحافظات الفلسطينية، وشارك فيها آلاف الفلسطينيين من مختلف الفئات والقوى.
خلال وقت قصير، انتقلت المواجهات من الاحتجاجات الشعبية إلى اشتباكات مسلحة في عدد من نقاط التماس، ولا سيما في قطاع غزة ومدينة نابلس، فيما تركزت أشد المواجهات في الورام الله ونابلس وغزة والخليل.
من الإلى مختلف المناطق
لم تبق المواجهة محصورة في البلدة القديمة بال، إذ سرعان ما اتخذت طابعًا فلسطينيًا عامًا. واندلعت المواجهات في محافظات الضفة الغربية وقطاع غزة، بمشاركة شعبية واسعة، قبل أن تتطور في عدد من المناطق إلى اشتباكات مسلحة.
وفي قطاع غزة، شهدت نقاط التماس مواجهات عنيفة بين مقاومين وعناصر من الأجهزة الأمنية الفلسطينية من جهة، وقوات الاحتلال من جهة أخرى، فيما شهدت مدينة نابلس مواجهات مماثلة، خصوصًا في محيط مقام يوسف شرق المدينة.
كان مقام يوسف قد تحول إلى موقع عسكري لقوات الاحتلال، ما جعله إحدى أبرز نقاط الاشتباك خلال الهبة. واندلعت في محيطه مواجهات عنيفة، أسفرت عن استشهاد فلسطينيين اثنين برصاص الاحتلال، فيما قتل مقاومون ستة من جنود الاحتلال، قبل أن تنسحب قوات الاحتلال من المقام.
وفي ذروة المواجهات، حوصر أكثر من 450 من جنود الاحتلال داخل مقام يوسف، قبل أن يجبروا على الانسحاب منه، فيما رفع الفلسطينيون الأذان في الموقع بعد خروج القوات.
وخلال الأيام الأولى للمواجهة، استشهد 63 فلسطينيًا في مختلف المناطق الفلسطينية، بينهم 32 في الضفة الغربية و31 في قطاع غزة، فيما أصيب أكثر من 1600 آخرين برصاص الاحتلال. واستمرت تداعيات الهبة والمواجهات التي رافقتها لأسابيع، لتتحول إلى محطة بارزة في مسار الصراع على الوالمسجد الأقصى.
نفق سبقته محاولات
لم يكن افتتاح النفق في سبتمبر 1996 المحاولة الأولى لفتح مسار في المنطقة المحيطة بالمسجد الأقصى. فقد سبقت ذلك محاولتان؛ الأولى عام 1986 قرب باب الغوانمة، والثانية عام 1994 قرب المدرسة العمرية، وهو المدخل الذي ارتبط لاحقًا بالنفق الذي افتتح عام 1996.
لكن المحاولة الثالثة جاءت في سياق سياسي مختلف، إذ تزامنت مع حكومة الليكود وبرنامجها الانتخابي عام 1996، كما جاءت عشية الاحتفال بعيد الغفران، الأمر الذي منح الخطوة بعدًا سياسيًا ورمزيًا إضافيًا.
وكانت قضية النفق مرتبطة بمخططات أوسع تتصل بالبلدة القديمة والمسجد الأقصى وحائط البراق والأحياء العربية والإسلامية المحيطة به. وتندرج هذه السياسات ضمن مسار طويل من تغيير معالم المنطقة وفرض وقائع جديدة عليها، من بينها ما جرى في حي باب المغاربة عام 1967، حين هدم الاحتلال الحي في سياق أعمال التوسعة في محيط المسجد الأقصى.
وبذلك لم ينظر الفلسطينيون إلى افتتاح النفق باعتباره إجراءً منفصلًا، بل باعتباره جزءًا من مسار متواصل يستهدف تغيير الواقع التاريخي والجغرافي والديموغرافي في الالمحتلة.
هبة أعادت الأقصى إلى مركز المواجهة
أعادت هبة النفق قضية المسجد الأقصى والإلى واجهة المواجهة الفلسطينية، في وقت كانت فيه المنطقة تعيش مرحلة سياسية مختلفة، بعد اتفاقيات التسوية بين منظمة التحرير الفلسطينية والاحتلال.
وأظهرت المواجهات أن قضية البقيت حاضرة بقوة في الوعي الفلسطيني، وأن أي تغيير في واقع المسجد الأقصى يمكن أن يتحول سريعًا إلى عامل تفجير واسع يتجاوز حدود المدينة.
كما حملت الهبة سمة مميزة تمثلت في اتساع نطاق الاشتباكات المسلحة، ودخول عناصر من الأجهزة الأمنية الفلسطينية في المواجهات، إلى جانب المشاركة الشعبية والفصائلية الواسعة. وهو نمط من المواجهة سيظهر لاحقًا بصورة أكثر اتساعًا خلال انتفاضة الأقصى التي اندلعت عام 2000.
وبهذا المعنى، شكلت هبة النفق نموذجًا مبكرًا لمواجهة امتزج فيها الحراك الشعبي بالاشتباك المسلح، وتداخلت فيها المشاركة الشعبية مع دور الفصائل والأجهزة الأمنية، وبرز فيها المسجد الأقصى والعنوانًا مركزيًا للمواجهة.
من هبة النفق إلى انتفاضة الأقصى
دفعت نتائج هبة النفق المؤسسة العسكرية والأمنية لدى الاحتلال إلى إعادة النظر في آليات تحليل الساحة الفلسطينية وتوقع اندلاع المواجهات.
فبعد الهبة، خلصت قيادات في جيش الاحتلال إلى أن تقديراتها السابقة لم تكن قادرة على توقع سرعة انتقال الغضب الشعبي من الإلى مختلف المناطق الفلسطينية. وسعى موشيه يعلون، الذي كان يشغل حينها منصب قائد المنطقة الوسطى المسؤولة عن الضفة الغربية وقطاع غزة، إلى تطوير نماذج لتحليل الأحداث في الأراضي الفلسطينية قبل تحولها إلى مواجهة واسعة.
وفي عام 1999، أطلق يعلون مشروع “براشيت”، الذي استهدف تطوير العلم والأفكار والسياسات المتعلقة بالتعامل مع مناطق الطوارئ، وشمل تغيير إجراءات تقييم الوضع، وتطوير التخطيط العملياتي، والتعامل مع الساحة الفلسطينية وفق نماذج جديدة للتنبؤ بالأحداث.
وقام المشروع على مراحل تبدأ بالتفكير في الحدث وتطوير المعرفة الخاصة به قبل اندلاع الصراع، ثم تطوير حلول للمشكلات التي تحددها عملية بناء هذه المعرفة، وصولًا إلى تنفيذ الحلول خلال اندلاع الصراع.
لكن هذه الإجراءات لم تمنع اندلاع انتفاضة الأقصى بعد عام واحد من ذلك، عندما اقتحم أرئيل شارون المسجد الأقصى في سبتمبر 2000، لتندلع مواجهة امتدت لأكثر من خمس سنوات، وشهدت عمليات مسلحة واسعة وخسائر كبيرة في صفوف قوات الاحتلال والمستوطنين.
وبذلك بدت هبة النفق، في جانب من مسارها، مقدمة لما سيأتي لاحقًا، بعدما كشفت هشاشة الهدوء الذي سبقها، وأظهرت قدرة قضية الوالأقصى على إعادة تشكيل المشهد الفلسطيني في وقت قصير.
استراتيجية متواصلة لفرض الوقائع
لم تتوقف بعد هبة النفق محاولات الاحتلال فرض وقائع جديدة في الوالمسجد الأقصى، بل اتخذت سياسات التهويد أشكالًا متعددة، من بينها تكثيف إبعاد المرابطين واعتقالهم والتضييق عليهم، إلى جانب تعزيز حضور المستوطنين داخل ساحات المسجد الأقصى.
وخلال السنوات اللاحقة، تصاعدت محاولات فرض تقسيمات زمانية ومكانية داخل المسجد، بالتوازي مع تكريس حضور المستوطنين في أجزاء من ساحاته، وفرض طقوس دينية يهودية في المكان.
وفي السنوات الأخيرة، انتقلت بعض هذه الطقوس إلى الساحة الغربية للمسجد الأقصى، في محيط قبة الصخرة، في محاولة لخلق وقائع جديدة وتوسيع نطاق المناطق التي يسعى المستوطنون إلى استخدامها لأداء طقوسهم.
وترافقت هذه السياسات مع تصاعد مشاريع الصهيونية الدينية وأوساط واسعة من اليمين القومي الصهيوني التي تتبنى تصورًا لإحلال واقع ديني يهودي في المسجد الأقصى، وصولًا إلى إقامة الهيكل المزعوم على كامل مساحة المسجد.
وتقوم هذه الرؤية، وفق ما تطرحه الجهات الداعية إليها، على مراحل تبدأ بالتقسيم الزماني، ثم التقسيم المكاني، وصولًا إلى تكريس الطقوس اليهودية داخل المسجد بما يهدف إلى تأسيس واقع ديني جديد في المكان.
الفي قلب المواجهة
بعد ثلاثة عقود، لا تزال هبة النفق تُستحضر بوصفها إحدى المحطات التي أكدت أن الوالمسجد الأقصى يمثلان نقطة شديدة الحساسية في الصراع الفلسطيني مع الاحتلال.
فالهبة التي بدأت بافتتاح بوابة نفق في البلدة القديمة لم تبق حدثًا محليًا في ال، بل تحولت خلال ساعات إلى مواجهة امتدت إلى مختلف أنحاء فلسطين، وأدخلت أنماطًا جديدة من الاشتباك، وأسهمت في إعادة وضع الأقصى في قلب المشهد السياسي والميداني.
كما كشفت الهبة أن محاولات تغيير واقع اللا تنفصل عن سياق أوسع من الاستيطان وحفر الأنفاق وتغيير معالم البلدة القديمة ومحاولة فرض وقائع دينية وجغرافية جديدة حول المسجد الأقصى.
ومنذ ذلك الحين، توالت محطات المواجهة المرتبطة بال، من انتفاضة الأقصى إلى هبة باب العامود وهبة الأبواب الإلكترونية، وصولًا إلى مواجهات ومحطات أخرى ظل المسجد الأقصى حاضرًا فيها عنوانًا مركزيًا.
وفي 25 سبتمبر من كل عام، تعود هبة النفق إلى الذاكرة باعتبارها محطة فاصلة في تاريخ المواجهة على ال؛ يوم تحولت بوابة نفق أسفل البلدة القديمة إلى شرارة أشعلت مواجهات واسعة، وأظهرت أن أي محاولة لفرض واقع جديد على المسجد الأقصى يمكن أن تتجاوز حدود المكان لتفتح مواجهة تمتد إلى مختلف فلسطين.
