
ليس ثمة ما هو أكثر تعبيراً عن حيوية المجتمعات من قدرتها على تنظيم تطلعاتها وصياغة عقلها الجمعي في كيانات سياسية تعبر عنها. في الظروف الاعتيادية، تُعد الأحزاب السياسية العصب الحيوي لأي دولة تسعى لبناء تجربة ديمقراطية مستقرة؛ فهي ليست مجرد دكاكين انتخابية تفتح أبوابها موسمياً لجلب الأصوات، بل هي “المعمل” الذي يُصنع فيه الوعي العام، وتُصقل فيه القيادات، وتُترجم فيه مطالب الشارع المتفرقة إلى برامج عمل قابلة للتطبيق. بدون أحزاب فاعلة ومؤسسية، تتحول السياسة إلى مجرد صراعات فردية عابرة أو استعراضات نفوذ تخلو من المبادئ، مما يترك المجتمع بلا بوصلة وبلا أدوات حقيقية لمكافحة الفساد أو مساءلة السلطة.
الأحزاب السياسية في الظروف الاعتيادية: صناعة الوعي والقيادة
ولنا في التاريخ عبرة، فمثلاً، لم يكن حزب المؤتمر الافريقي مجرد أداة لجلب الأصوات، بل عمل لعقود طويلة كمنظومة متكاملة لرفع الوعي ضد نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد). داخل أروقة هذا الحزب، تم تدريب الكوادر وصقل قيادات تاريخية بوزن “نيلسون مانديلا” و”أوليفر تامبو”. وعندما حانت لحظة التحول الديمقراطي في أوائل التسعينيات، كانت المؤسسة الحزبية جاهزة لقيادة دولة كاملة ومنع انزلاقها نحو الحرب الأهلية.
وفي أواخر القرن التاسع عشر، كانت شوارع بريطانيا تضج بالاحتجاجات العمالية المتفرقة والمطالب الفئوية لتحسين ظروف العمل والمعيشة. تأسس حزب العمال ليأخذ هذه الهتافات العشوائية ويصيغها في سياسات. النتيجة الأبرز ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية (1945)، عندما صاغ الحزب غضب الشارع في تشريعات تاريخية أدت إلى إنشاء هيئة الخدمات الصحية الوطنية ونظام تأمين اجتماعي شامل، ودولة الرفاه التي نراها اليوم.
في المقابل، في أوكرانيا، عندما نجحت الجماهير في الشارع في إحداث تغيير سياسي، لكن بسبب غياب الحياة الحزبية المؤسسية العميقة والاعتماد على أحزاب تشبه “الدكاكين الانتخابية” التي تتمحور حول أشخاص، تحولت الساحة السياسية إلى صراع نفوذ فردي مرير بين حلفاء الأمس (فيكتور يوشتشينكو ويوليا تيموشينكو). أدى هذا الصراع الشخصي إلى شلل حكومي وتسهيل عودة الفساد.
تحت الاحتلال: تحوّل الأحزاب السياسية من إدارة الشأن العام إلى خنادق وجودية
ولكن، ماذا يحلّ بكينونة السياسة حين تتصدع جدران “الاعتياد”؟ حين يُسلب الوطن حقه الأصيل في الوجود، ويغدو كيانه معلقاً على حافة العدم تحت وطأة الاحتلال؟
في هذا المنعطف الوجودي، تشهد ماهية الحزب انقلاباً أنطولوجياً (وجودياً) جذرياً. تتلاشى ألعاب السلطة والتنافس التقليدي على كراسٍ وهمية، لتتجلى السياسة في صورتها الأكثر قسوة ونقاءً: كفعل وجودي وممارسة للرفض. تحت نير الاحتلال، تفرغ “اللعبة الديمقراطية” من دلالاتها الإجرائية، وتتحول الأحزاب السياسية من هياكل لإدارة شؤون المجتمع إلى خنادق لحراسة الكيان المجتمعي من الفناء. هنا، تتعاظم أثقال المسؤولية؛ إذ يُحتم على الحزب في الأرض السليبة أن يخوض ملحمة على جبهتين متوازيتين في ثقلهما، جبهة تفكيك مشروعية المستعمِر ومقاومة أدوات محوه، وجبهة تحصين الإنسان وصيانة جذوره في أرضه، بوصفه خط الدفاع الأخير عن المعنى والبقاء.
يؤكد التاريخ أن الأحزاب السياسية في مناطق النزاع والاحتلال تخلع ثوبها المدني التقليدي لترتدي درع المقاومة الشاملة:
فتحت الاحتلال النازي، أدركت الأحزاب السياسية الفرنسية (الشيوعية، الاشتراكية، والمحافظة) أن التنافس الأيديولوجي فقد معناه بالكامل. بتوجيه من “جان مولان”، انصهرت هذه الأحزاب المتناقضة في جبهة واحدة. هدفها حماية المواطنين، وتوفير بطاقات تموين مزورة للمطاردين، والحفاظ على فكرة “الجمهورية الفرنسية” حية في الوجدان الشعبي.
وحزب المؤتمر الافريقي بدأ الحزب كحركة سياسية تقليدية تطالب بالحقوق المدنية عبر العرائض والوفود، لكن مع تكريس نظام “الفصل العنصري” (الأبارتهايد) بوصفه احتلالاً داخلياً وإلغاءً لوجود السكان الأصليين، تحول الحزب إلى أداة نضال وجودي. همه الحفاظ على كرامة الإنسان الأسود، بناء شبكات تعليم سرية، وتوفير مظلة تكافل للمضطهدين في المعازل.
قبل اندلاع الثورة، كانت الساحة الجزائرية تعج بأحزاب تطالب بالإدماج أو الإصلاح أو الاستقلال السياسي ضمن الأطر الفرنسية. عندما أُغلقت سبل السياسة الاعتيادية أمام استيطان إحلالي يهدف لطمس الهوية، ظهرت جبهة التحرير لتلغي “السياسة التقليدية” تماماً. فأصبحت تتولى إدارة شؤون السكان في الجبال والقرى (العدالة، الصحة، والتعليم) لضمان صمودهم وعدم خضوعهم للإدارة الاستعمارية.
إن القراءة الوجودية لتاريخ الشعوب المُستلبة تكشف أن الرعب الأقصى لا يتجسد في آلة البطش المادية للمحتل، بل في قدرته على هندسة “العدم”؛ أي اختراق كينونة المجتمع لتفكيكه من الداخل، طامساً ذاكرته الجمعية، ومُحيلاً يومياته إلى جحيم عبثي يخنق إرادة الحياة ويدفع الإنسان إما نحو الاغتراب (الهجرة) أو العدمية (الاستسلام). في هذا العراء الوجودي، تتسامى الوظيفة الاجتماعية للأحزاب السياسية لتصبح خط الدفاع “الأنطولوجي” (الوجودي) الأول؛ إذ تنهض بمسؤولية ترميم الذات المجتمعية عبر نسج شبكات تكافل حية، وتشييد هياكل صمود موازية تعصم المجتمع من هاوية الانهيار، وتضمن بقاء جذوة الهوية الوطنية متقدة في وعي الأجيال المتعاقبة. الحزب تحت مقصلة الاحتلال لا يعود مجرد صوتٍ حبيس المنابر، بل يتجسد كـفعل حي؛ مؤسسة تقاوم الفناء بالبناء، والإغاثة، والثقافة، لتقف سداً منيعاً يجهض سياسة “تفكيك المجتمع” (ليسهل ابتلاعه) التي احترفها كل استعمار عبر التاريخ.
بيد أن هذا العبء الوجودي يزجّ بالأحزاب السياسية في أتون المفارقة الأكثر تعقيداً في الفكر السياسي: “جدلية السلطة في ظل الاستلاب”. كيف يمكن لكيان سياسي أن يهندس البقاء اليومي للإنسان، دون أن ينزلق إلى فخ “الوكالة العبثية” للمحتل، أو يتحول إلى مجرد “أداة وظيفية” تعفي المُستعمِر من كلفته وتُطبّع واقع القهر؟ إن هذه الحافة الشائكة التي تفصل بين “إدارة إرادة الصمود” و”شرعنة الخضوع”، هي المحنة الأخلاقية والأنطولوجية التي تمتحن أصالة الأحزاب وعمق بصيرتها. فالحزب في جوهره الأصيل هو ذلك الكيان القادر على ممارسة فعل “التعالي”؛ متجاوزاً أنانيته التنظيمية لصالح الفكرة الوطنية المطلقة، ومحركاً لأدواته الدبلوماسية والشعبية لتحويل مأساة شعبه إلى محاكمة كونية للجلاد، واضعاً حماية الوعي الجمعي ووحدة الإرادة فوق كل مكسب زائل.
في نهاية المطاف، إذا كانت الأحزاب السياسية في أزمنة السلم والسيادة تتجلى كـ “ترفٍ ديمقراطي” وفضاءٍ لتعددية الخيارات، فإنها تحت وطأة الاحتلال تغدو “حتمية أنطولوجية” (وجودية) لا مفر منها؛ وِعاءً يصهر الغضب الجماهيري الخام والعفوي، ليحيله إلى “إرادة قوة” تحررية ومُوجهة. في هذا العراء المجرد، تسقط معايير القياس الكمي والبراغماتي؛ فلا تُمتحن شرعية الحزب بعدد مقاعده الوهمية ولا ببريق شعاراته، بل بمدى رسوخه كحائط صدّ يحول دون تهشم “الروح الكلية” للأمة، مبقياً أفق الخلاص مُشرَعاً نحو الغاية المطلقة والوحيدة: الانعتاق الشامل، واستعادة الذات الحرة، والسيادة التامة
اقرأ أيضًا: نصرالله الحي بعد استشهاده: مراجعة كتاب “نصرالله: الأساطير لا تموت؟”
