
خاص-اعتاد يحيى نافع أن يقف أمام الكاميرا لينقل حكايات الآخرين، لكن المشهد الذي ظهر أمامه في ذلك اليوم كان مختلفًا؛ فالآليات التي التقطتها الكاميرا لم تكن تجرف أرضًا بعيدة عن قصصه، بل كانت تعمل في أرضه، وتقتلع أشجار زيتون تحمل له ذكريات خاصة.
كان نافع يعلم منذ الصباح أن جيش الاحتلال والمستوطنين وصلوا إلى المنطقة التي تقع فيها الأرض، لكن رؤية المشهد على الهواء مباشرة كانت لحظة أخرى. ومع بدء زميله فادي العصا الحديث وتوجيه الكاميرا نحو الآليات، وجد نفسه يشاهد أرضه وهي تُجرف أمام عينيه، فيما بقي عليه أن يتعامل مع المشهد بوصفه صحفيًا.
“شعرت بشيء يصعب وصفه، يمكن أن أقول إنه مزيج من القهر والظلم والعجز”، يقول نافع في حديث خاص لـ””.
لم تكن الأشجار بالنسبة إليه مجرد جزء من الأرض؛ فهي تحمل، كما يصفها، “رمزية خاصة وذكريات جميلة”. لذلك كان اقتلاعها أمامه أكثر من مشهد يوثّق حدثًا ميدانيًا، إذ كان يرى شيئًا يرتبط بذاكرته يُنتزع، بينما لا يملك القدرة على التدخل.
“أن ترى أرضك وأشجارك التي تحمل رمزية خاصة وذكريات جميلة تُقتلع أمام عينيك، وأنت تقف عاجزًا عن فعل أي شيء، كان شعورًا قاسيًا”، يضيف.
ومع ثقل اللحظة، حافظ نافع على موقعه المهني، ولم يسمح للتجربة الشخصية بأن تغيّر طريقة تعامله مع الحدث. يقول: “لكن تعاملت مع الأمر بمهنية، فالقضية الشخصية لا يجب أن تطغى على ما هو مهني”.
بعد ذلك، انتقلت قضية الأرض إلى المحكمة الإسرائيلية، بعدما قُدّم التماس لوقف أعمال التجريف والمصادرة وإخلاء المستوطنين منها. وطلبت المحكمة وقفًا مؤقتًا للعمل في الأرض حتى الخامس من تشرين الأول/أكتوبر، لحين الاستماع إلى موقف الحكومة الإسرائيلية والجيش.
لكن المسار القانوني لم يوقف، وفق نافع، ما يجري في الميدان؛ إذ واصل الجيش والمستوطنون التواجد في الأرض ومنع الأهالي من الوصول إليها، بالتزامن مع منع مزارعين في مناطق واسعة من بلدة نعلين من قطف ثمار الزيتون، وإطلاق النار تجاههم والاعتداء على بعضهم.
ومن هنا، لا يرى نافع أن ما جرى في أرضه يقف عند حدود تجربته الشخصية، بل يراه جزءًا من واقع أوسع يعيشه الفلسطينيون في الضفة الغربية. فالأرض التي تُغلق أمام صاحبها، والموسم الذي لا يستطيع المزارع الوصول إليه، والاعتداء الذي يلاحقه حتى في حقله، كلها تفاصيل تتقاطع في مشهد واحد.
“هذا الحدث ليس حدثًا معزولًا، وإنما هو جزء من المشهد العام في الضفة الغربية”، يقول نافع، مشيرًا إلى تصاعد الاستيلاء على الأراضي والاعتداءات على الفلسطينيين وممتلكاتهم، وما يرافق ذلك من بوابات وحواجز تعزل القرى والبلدات عن بعضها.
وفي موسم الزيتون، يصبح هذا الواقع أكثر حضورًا؛ فالمزارع لا يواجه فقط خسارة محصوله، وإنما قد يجد نفسه ممنوعًا من الوصول إلى الأشجار التي زرعها وانتظر ثمارها عامًا كاملًا. ويرى نافع أن استهداف الزيتون يعكس جزءًا من الضغط المتواصل على الفلسطينيين وأراضيهم.
أما بالنسبة إليه، فقد أضافت الغربة طبقة أخرى إلى التجربة، لا لأن المسافة بحد ذاتها هي المشكلة، وإنما لأنها جعلته يشاهد ما يحدث من بعيد من دون أن يملك وسيلة للتدخل.
“المشكلة لا تكمن في المكان الذي يتواجد فيه الشخص وإنما في انعدام الخيارات”، يقول.
ويشرح أن قسوة المشهد تكمن في أن الفلسطيني قد يرى أرضه وممتلكاته تُسلب أمام عينيه، من دون أن يستطيع فعل شيء حيال ذلك: “الفلسطيني تُسرق أرضه وممتلكاته بالقوة، ولا يملك القدرة على فعل شيء. أن ترى ممتلكاتك تسلب منك أمام عينيك، ولا تستطيع أن تفعل شيئًا لا شك أنه شعور قاسٍ، بل ربما أقسى ما يمكن أن يشعر به الإنسان”.
لهذا، يقرأ نافع ما حدث لأرضه ضمن تحولات أوسع تشهدها الضفة الغربية، من الاستيلاء على الأراضي وشق الطرق الاستيطانية إلى توسع البؤر الاستيطانية والاعتداءات المتكررة، في واقع يقول إنه يدفع الفلسطينيين إلى ظروف يصبح فيها البقاء أكثر صعوبة.
وبالنسبة إلى صحفي اعتاد أن ينقل قصص الناس، كانت هذه المرة مختلفة؛ لم يكن يبحث عن صاحب أرض ليروي ما حدث له، ولم يكن يقف خارج القصة ليوثقها. كانت أرضه هي المشهد، وأشجار يعرفها هي التي ظهرت أمام الكاميرا.
ومن خلف الشاشة، وجد يحيى نافع نفسه أمام قصة لم يختر أن يكون بطلها، لكنه لم يستطع هذه المرة أن يرويها من الخارج.
