
يقوم مشروع «الكنيست» في جوهره على هندسة الوعي وصهره داخل أطر المنظومة الاستعمارية. ومن الضروري، ابتداءً، التمييز الواضح في منطلقات تيار المقاطعة؛ إذ تنصبّ معارضته المبدئية على مؤسسة الكنيست ذاتها بوصفها أداة تدجين سياسي، لا على الأحزاب العربية التي ارتأت خوض التجربة البرلمانية كأداة نضالية. وهذا لا يمنع، بطبيعة الحال، انتقاد أداء الأحزاب العربية.
تتضح من خلال الكنيست وتشريعاته مساعي المؤسسة الإسرائيلية الحثيثة لفرض مفهوم «المواطنة الإسرائيلية» بمعاييرها الاحتوائية على الفلسطينيين في الداخل. وفي المقابل، حاولت بعض القوى الوطنية—وفي مقدمتها حزب التجمع الوطني الديمقراطي—مجابهة عقيدة «يهودية الدولة» عبر طرح مشروع «دولة جميع مواطنيها». وقد جاء هذا الطرح في سياق المناوأة الفكرية والسياسية للمنظومة، وفي مسعى لتحصين المجتمع العربي والتخفيف من وطأة الهجمة الفاشية الشرسة التي سبقت أحداث السابع من أكتوبر وتضاعفت حدّتها بعدها.
واجهت المؤسسة الإسرائيلية مشروع التجمع منذ تسعينيات القرن الماضي بالملاحقة القضائية والسياسية، وصولاً إلى محاولات الشطب والحظر المتكررة. غير أن المشهد الذي تجلّى في أروقة المحكمة العليا مؤخراً، حين بدا فيه القيادي سامي أبو شحادة في موقف الدفاع الحذر والمتراجع، عكس صورة مربكة ومؤسفة لحزب يزعم تمسكه بالثوابت الوطنية وصلابة خطابه المبدئي.
يفتح هذا المشهد باب التساؤل الملحّ حول مدى قدرة الأحزاب البرلمانية على صيانة ثوابتها أمام الابتزاز السياسي وشبح الشطب الإسرائيلي المستمر. فهل تُفضي هذه الضغوط المتراكمة، مع تقادم الزمن، إلى تقديم تنازلات تمسّ صلب القضية، كالاعتراف الضمني بيهودية الدولة، أو التهاون مع برامج التدجين كـ«الخدمة المدنية»؟
إن «الخدمة المدنية» لم تعد مجرد مشروع معزول، بل غدت واقعاً يتمدد في أوساط الشباب داخل المجتمع الفلسطيني، تغذّيه حوافز اقتصادية وإغراءات أكاديمية قد تصل إلى تغطية 80% من الأقساط الجامعية.ويعكس هذا التمدد أثر الضائقة المعيشية وغياب البدائل الوطنية في دفع فئات شبابية نحو الانخراط في مؤسسات الدولة، مما ينذر بتكريس قطيعة خطيرة بين الأجيال وهويتها الوطنية الجامعة.
يتفاقم هذا الخطر حين تعجز الأحزاب العربية عن الوفاء بوعودها الخدمية والسياسية للناخبين، الأمر الذي يهدد بتجدد أزمة ثقة عميقة بين الجماهير وممثليها. وفي ظل هذه الفجوة والنزاعات الفصائلية المتكررة، يبرز نشاط حركات وحملات سياسية تتجاوز الخطاب التقليدي، مثل حراك «نقف معاً» (عومديمبياحد).
يستدعي صعود هذا النمط قراءة سياسية متأنية؛ إذ يعتمد تنظيماً ميدانياً يتجاوز الشعبوية اللحظية. وقد شكّل عدم خوضهم المعترك الانتخابي كقائمة مرشحة فرصة لإعادة التموضع وتقديم موقفهم كفعل مسؤول لتجنب تشتيت الأصوات. وقد تجلى ذلك مؤخراً في نزولهم إلى شوارع الناصرة لحثّ الناس على التصويت وفق رؤيتهم، في محاولة مدروسة لترسيخ حضورهم الجماهيري. وفي حال نجح هذا الطرح في ملء الفراغ السياسي، فقد يؤسس لقاعدة شعبية تبدل ملامح العمل السياسي في الداخل، غير أن نجاحه يظل رهناً باستجابة الشارع ومدى اقتناعه بجدوى هذا الخطاب.
إننا نقف أمام مشهد سياسي بالغ التعقيد؛ تتقاطع فيه حسابات المشاركة والمقاطعة، وضغوط البقاء البرلماني، ومخاطر الانزلاق في أتون الترويض المؤسساتي. ويبقى السؤال الجوهري: إلى أي حدّ يمكن الاستمرار في لعبة البرلمان دون دفع أثمان باهظة في الهوية والموقف؟ وهل يقف سقف هذا المسار عند حدود «الأسرلة»، أم أنه بات ينحرف نحو «الصهينة» وإعادة إنتاج خطاب المؤسسة الحاكمة؟
إن اللحظة التاريخية الراهنة تقتضي من الأحزاب والكوادر الوطنية وقفة مصارحة شجاعة، بالانحياز التام للرواية التاريخية الفلسطينية وعمقها العربي والإسلامي. وإن كان ثمن هذا الانحياز مقاطعة الكنيست ونزع الشرعية عن برلمان يكرّس التمييز والتطهير، فإنه يظل الخيار الأكثر صواباً وجدوى استراتيجية لحماية الوجود الوطني من الذوبان والتلاشي.
