تحول نزاع عائلي حول إرث إلى معركة شرسة وقبيحة للغاية، تمحورت حول صور عارية ومراسلات ذات طابع جنسي كانت محفوظة في الهاتف النقال لشخص متوفى.
قضت محكمة شؤون الأسرة في تل أبيب بأن والد المتوفى استخدم المواد الحميمية الخاصة بشريكة حياة ابنه الراحل لممارسة الضغط عليها ودفعها للتنازل عن حقوقها في التركة. وبناءً على ذلك، ألزمته المحكمة بدفع تعويضات لها وتحمل أتعاب المحاماة.
ووفقاً لـدعوى القضائية، عاشت المدعية مع المتوفى لعدة سنوات كشريكي حياة حتى وفاته المفاجئة. وبعد وفاته، اندلع نزاع حول مسألة حقوقها في التركة.
وذكرت المدعية أن الأب استولى على الهاتف المحمول الخاص بابنه، واستخرج منه صوراً عارية، ومقاطع فيديو، ومراسلات حميمية بين الشريكين، وبدأ في عرضها على الآخرين، ومنهم: صديق للعائلة، ومستأجر كان يقطن في شقة المتوفى، بل وقام بعرضها أيضاً خلال اجتماع عُقد في مكتب محامية. وجاء كل ذلك بهدف ترهيبها وإجبارها على التنازل عن حقوقها في الميراث.
مشاهدة هوسية للصور
ومن التفاصيل الصادمة التي وردت في الدعوى، ما أفادت به المدعية نقلاً عن مقربين من العائلة، بأن الأب لم يكتفِ بالاحتفاظ بالصور فحسب، بل اعتاد مشاهدتها مراراً وتكراراً. وقالت إن صديق العائلة ألمح لها بأن الأب استخدم صورها لأغراض شخصية، في حين ذكر لها المستأجر أن الأب كان “يشاهد الصور بشكل هوسي”.
كما ادعت أن الأب ربط نفسه بكاميرات المراقبة في المنزل، وأرسل لها توثيقاً يظهرها وهي تحاول إنعاش شريك حياتها في لحظاته الأخيرة، بل وألمح إلى وجود توثيقات حميمية أخرى. وأشارت المدعية إلى أنها نتيجة لأفعاله هذه، اضطرت لمغادرة المدينة التي كانت تعيش فيها، وإغلاق المصلحة التجارية التي كانت تديرها، وبدء حياتها من جديد.
في المقابل، زعم الأب أن هذه الدعوى تكتيكية وتهدف فقط إلى التأثير على إجراءات الميراث. وادعى أن الهواتف المحمولة تعود لشركة يملكها، وأنه لم يسرق شيئاً ولم ينشر صوراً حميمية. كما زعم أن كل تصرفاته كانت لحماية أحفاده وحقوقهم في التركة، وبالتالي فإن له الحماية القانونية بناءً على “حسن النية” ووجود “مصلحة شخصية مشروعة”.
إلا أنه خلال الاستجواب المضاد، وقعت إحدى اللحظات الحاسمة في الجلسة، حيث ادعى الأب أنه لم يكن يرغب إطلاقاً في النظر إلى تلك الصور الحميمية.
وهنا أحججه القاضي يهورام شاكيد متسائلاً:
“أنت قلت إنك لن تُنجّس عينيك بالنظر إليها، فلماذا قمت بتصوير الشاشة إذن؟”
فأجاب الأب:
“صوّرتها لتكون موجودة… لا أعرف ما الذي تخططه لي (ما الذي تحيكه ضدي).”
ولم يكتفِ القاضي بهذا الرد وتابع استجوابه:
“وكيف كنت سترى ذلك بدون عينيك؟”
فأجاب الأب:
“لم أكن لأراها… كنت سأنقلها إلى الشخص الذي يتعين عليه رؤيتها.”
واعتبرت المحكمة هذه الأقوال بمثابة اعتراف واضح بأن الصور تم الاحتفاظ بها عمداً لتُستخدم كـ”ورقة ضغط” ضد شريكة الحياة في إطار صراع الميراث.
وكتب القاضي شاكيد أنه يمكن الاستنتاج بأن “المشاكل” التي كان يخشاها الأب هي مجرد مطالبة المرأة بممارسة حقوقها القانونية أمام المحكمة. وأضاف أن الصور الحميمية “ليس لها ولا يمكن أن يكون لها أي صلة قانونية بملف التركة”، ولكن الهدف منها كان بث الرعب في نفسها وردعها عن التوجه إلى القضاء.
تحرش جنسي بكل ما تحمله الكلمة من معنى
يتضمن هذا الحكم أيضاً تجديداً قانونياً سيعيد صياغة تفسير “قانون الفيديوهات” (الخاص بمنع نشر المحتوى الجنسي دون موافقة). حيث أقّر القاضي أنه لا حاجة لنشر واسع النطاق للصور الحميمية حتى تكتمل أركان جريمة التحرش الجنسي؛ إذ إن عرض صور ذات طابع جنسي أمام عدد محدود من الأشخاص، في ظروف من شأنها إهانة المستهدفة، يشكل تحرشاً جنسياً كاملاً.
وأوضح القاضي أن انتهاك الخصوصية الذي يركز على الجانب الجنسي للإنسان “يعادل الاعتداء الجنسي”، ولذلك لا يقتصر الأمر فقط على خرق قانون حماية الخصوصية.
علاوة على ذلك، رفضت المحكمة ادعاء الأب بأنه يحق له الاطلاع على المحتوى لأن الهاتف يخص شركة يملكها. وقضت بأنه حتى لو كان الجهاز نفسه مملوكاً له، فإن ذلك لا يمنحه الحق في استخدام المحتويات الحميمية لشخص آخر، وأن حق شريكة الحياة في الخصوصية يتقدم على حق الملكية الخاص بالجهاز.
كما رفضت المحكمة الدفوع التي قدمها الأب، وقضت بأن استخدام الصور الحميمية كوسيلة للضغط في نزاع حول الميراث لا يمكن اعتباره تصرفاً نابعاً من حسن نية أو لحماية مصلحة شخصية مشروعة، بل على العكس، هو محاولة سافرة لترهيب شخص ومنعه من الوصول إلى العدالة.
وفيما يتعلق بقيمة التعويض، اعتمد القاضي نهج “التعويض المدمج”. ورغم أن سلوك الأب أوجد أسباباً قانونية للمقاضاة بموجب عدة قوانين متزامنة (قانون منع التحرش الجنسي، قانون حماية الخصوصية، وقانون حظر قذف المحصنات وتشوية السمعة)، فقد تقرر عدم جمع الحد الأقصى للعقوبات المالية لكل قانون على حدة، بل فرض تعويض واحد شامل يعكس حجم الأضرار المجتمعة.
عند تحديد قيمة التعويض، أخذت المحكمة في الاعتبار كعامل تشديد غياب أي ندم من طرف الأب، واستمراره في الاحتفاظ بالمواد الحميمية ومحاولته استخدامها حتى أثناء سير المحاكمة. وفي المقابل، أخذت المحكمة كعامل تخفيف الصدمة النفسية التي تعرض لها إثر وفاة ابنه بفترة وجيزة قبل هذه الأحداث.
وفي النهاية، أُلزم الأب بدفع تعويض لشريكة حياة ابنه المتوفى بقيمة 100,000 شيكل، بالإضافة إلى 25,000 شيكل مصاريف قضائية وأتعاب محاماة، ليصبح المجموع الكلي 125,000 شيكل.
يبرق هذا الحكم برسالة حازمة وواضحة لكل من يجد نفسه في خضم نزاع عائلي أو صراع على الميراث: الهاتف النقال للشخص المتوفى ليس “منجماً للذهب” لاستخراج مواد الابتزاز، والصور الحميمية ليست أوراقاً للمساومة. من يختار انتهاك الخصوصية الجنسية لشخص آخر بهدف الضغط عليه، إهانته، أو ردعه عن المطالبة بحقوقه – قد يجد نفسه يدفع ثمناً قانونياً ومالياً باهظاً.


