
مع اقتراب موعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة في السابع والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 2026، يتصاعد في المشهد السياسي الإسرائيلي حضور الاعتبارات الانتخابية، ولا سيما في ما يتعلق بقضايا الأمن والمواجهة مع الفلسطينيين. وفي هذا السياق، يتزايد استهداف كل ما هو فلسطيني، في قطاع غزة والضفة الغربية وفلسطين المحتلة عام 1948، وصولًا إلى فلسطينيي الخارج.
وتبدو المواجهة بين الفلسطيني والاحتلال مفتوحة على مزيد من التصعيد، في ظل إدخال الاحتلال إلى الضفة الغربية جيشًا من المستوطنين، وتشديد الإجراءات العسكرية، ومصادرة الأراضي، واستباحة الدم الفلسطيني. وهي أدوات تتقاطع آثارها مع حسابات التيارات السياسية الإسرائيلية، خصوصًا تلك التي تسعى إلى استرضاء جمهورها الأكثر تطرفًا وتشددًا. فالتصعيد والاعتداءات يمكن توظيفها في خطاب الأمن والقوة، كما يمكن أن تتحول المواجهة مع الفلسطينيين إلى مادة انتخابية، يُقدَّم من خلالها التشدد باعتباره استجابة لمخاوف المجتمع الإسرائيلي، من دون أن يعني ذلك أن كل اعتداء أو قرار عسكري يصدر بالضرورة بدافع انتخابي مباشر.
وبذلك، تتحول القضية الفلسطينية في جانب من التنافس الحزبي الإسرائيلي إلى ساحة للمزايدة السياسية، حيث تتنافس الأحزاب في تقديم نفسها باعتبارها الأقدر على التعامل مع الفلسطينيين وفرض مزيد من الإجراءات عليهم، بما يفاقم واقع المعاناة على الأرض.
لكن الإشكالية لا تقف عند الحكومة الإسرائيلية وأحزابها ومستوطنيها، بل تمتد إلى المشهد الفلسطيني نفسه؛ إذ تبدو المعاناة الفلسطينية، في بعض الأحيان، وكأنها تتحول إلى ذريعة لدى بعض مكونات القيادة والفصائل لتبرير الإخفاق السياسي والاجتماعي، وتأجيل مراجعة الأداء السياسي والدبلوماسي، أو التنصل من استحقاقات الإصلاح والمساءلة.
وفي هذا السياق، باتت الانتخابات الإسرائيلية تُستحضر أحيانًا بوصفها تفسيرًا جاهزًا للجرائم والاعتداءات، بل تحولت إلى مبرر في بعض الخطابات العربية والدولية لتأجيل التعامل الجاد مع ما يجري على الأرض، وكأن انتظار نتائج الانتخابات يمكن أن يفسر استمرار الانتهاكات أو يبرر الصمت حيالها.
والأخطر أن يتعامل الخطاب الفلسطيني الرسمي مع الانتخابات الإسرائيلية باعتبارها مرحلة مؤقتة ينبغي انتظار انتهائها، على أمل أن تفرز حكومة إسرائيلية مختلفة أو أقل تشددًا، فيما يُطلب من المواطن الفلسطيني الصبر إلى حين اتضاح المشهد السياسي الإسرائيلي. وفي المقابل، يتواصل على الأرض واقع مختلف، عنوانه اتساع الاعتداءات والاستيطان والتهجير ومصادرة الأراضي، وتراجع مساحة الحقوق الفلسطينية.
في قطاع غزة، يعيش الفلسطينيون ظروفًا إنسانية بالغة القسوة، بينما يواجه الفلسطيني في الضفة الغربية الاعتداءات والاقتحامات والتهجير والاستيطان، ويعيش الفلسطيني في الداخل المحتل واقعًا من تراجع الحقوق وسياسات التمييز والتهديد بالاقتلاع. ومع ذلك، تتراجع، بل تختفي أحيانًا، مساحة النقاش الجاد حول المسؤولية الوطنية الفلسطينية، في ظل غياب استراتيجية سياسية فلسطينية موحدة، وكذلك غياب سياسة فلسطينية عربية مشتركة قادرة على التعامل مع التحولات المتسارعة التي تشهدها القضية الفلسطينية.
المطلوب من الجانب الفلسطيني الرسمي ليس البحث عن مبررات للجرائم الإسرائيلية، وإنما العمل الفعلي على وقف المعاناة الفلسطينية، وحماية الإنسان الفلسطيني وحقوقه، وتحويل الواقع القائم إلى دافع للتحرك السياسي والدبلوماسي، لا إلى ذريعة لتأجيل المراجعة والمساءلة.
فالخطورة الحقيقية تكمن في أن يصبح المواطن الفلسطيني مجرد رقم في المعادلة الانتخابية الإسرائيلية، أو مادة في الخطاب السياسي الفلسطيني، وأن تتحول معاناته إلى وسيلة لتثبيت النفوذ أو تعزيز الشعبية أو تبرير القرارات، بدل أن تكون دافعًا نحو تحرك وطني يحمي الإنسان الفلسطيني وحقوقه وثوابته.
وحين يستثمر السياسي الإسرائيلي في الخوف من الفلسطيني لتحقيق مكاسب داخل الشارع الإسرائيلي، وحين تتحول المعاناة الفلسطينية في المقابل إلى أداة لتبرير العجز أو تثبيت المواقع السياسية، يجد المواطن الفلسطيني نفسه محاصرًا بين حسابات متعارضة، لا تضع بالضرورة حقوقه ومصالحه في مقدمة أولوياتها.
