
لم تكن الصحافة بالنسبة إلي مجرد مهنة، بل تحولت أيضاً مع الأيام إلى قدر ثقيل أعيشه بكل تفاصيله، وإلى مواجهة يومية مع الألم الإنساني في أقسى صوره. منذ أن بدأت عملي الصحافي في أواسط سنة 2024، خلال الحرب على غزة، وجدت نفسي أمام عالم مختلف تماماً عن كل ما تخيلته يوماً. عالم لا يشبه الكتب ولا الدورات التدريبية التي اعتدت عليها، إنما يشبه صدمة مستمرة لا تمنحك وقتاً كافياً لالتقاط أنفاسك أو التفكير في صحتك النفسية.
في كل يوم كنت أخرج فيه لتغطية حدث أو لمقابلة ناجٍ، كنت أشعر بأنني أدخل مساحة مملوءة بالوجع المكشوف؛ بحيث لا توجد أقنعة ولا محاولات لإخفاء الحقيقة. وكنت ألتقي بأشخاص فقدوا عائلاتهم بالكامل، وبأطفال يبحثون عن أمهاتهم بين الركام، وناجين من القصف لا تزال أصوات الانفجارات تسكن داخلهم، وأمهات يتحدثن عن خسارات لا يمكن للكلمات أن تحتويها مهما تحاول.
لطالما حاولت أن أبدو قوية وأنا أستمع إليهم، لكن داخلي كان يتشقق بصمت. كنت أؤمن بأن دوري يتمثل بحمل أصواتهم إلى العالم، وبأن أكون الجسر الذي تمر عبره قصصهم حتى لا تضيع وسط ضجيج الأخبار. كنت أكتب عازمةً أن الكلمة يمكن أن تنقذ شيئاً من الذاكرة، أو على الأقل تمنع النسيان من ابتلاع كل شيء.
كل مقابلة أجريتها كانت تترك في داخلي أثراً مختلفاً. لم تكن مجرد معلومات أو شهادات، بل أيضاً كانت أرواحاً كاملة تُفتح أمامي؛ إذ أرى في عيون الناس ما لا يمكن للكاميرا أن تلتقطه: الخوف العميق، والحنين، والانكسار، وأحياناً بقايا أمل صغير يرفض أن يموت على الرغم من كل شيء.
ومع مرور الوقت، بدأت أدرك أن توثيق الألم ليس مهمة محايدة كما كنت أظن؛ إذ لم أعد أعود من التغطيات كما كنت في البداية، ولم أعد أستطيع فصل ما أراه عما أشعر به؛ فالتفاصيل بدأت تلتصق بي بطريقة لا يمكن التخلص منها بسهولة: صوت طفل يبكي، أو نظرة أم فقدت أبناءها، أو صمت رجل فقدَ بيته، كلها أصبحت تعيش معي حتى في لحظات الهدوء النادرة.
خلال الحرب، تعرضت للنزوح القسري عدة مرات. في كل مرة كنت أترك ورائي مكاناً وأنتقل إلى آخر، فأشعر بأنني لا أحمل حقيبة فقط، بل أيضاً أحمل حياة كاملة من القصص. كان أكثر ما أحرص على حمايته حينها هما: هاتفي المحمول، ودفتر صغير يحتوي على ملاحظات المقابلات؛ إذ لم يكونا مجرد أدوات للعمل، بل كانا أيضاً ذاكرة أشخاص وضعوا ثقتهم بي لكي أروي حكاياتهم للعالم.
كنت أحياناً أنام وأنا أسمع في داخلي أصواتاً من مقابلاتهم خلال اليوم. لم يكن النوم هادئاً كما كان في السابق، بل كان مملوءاً بالصور المتداخلة؛ إذ أستيقظ أحياناً على شعور ثقيل في صدري، وكأن كل ما سمعته لم يغادرني لحظة واحدة.
فضلاً عن ذلك، لم يكن سهلاً أن أعود كل يوم إلى تفاصيل المعاناة؛ إذ كنت أستمع إلى طفل يروي كيف فقدَ عائلته تحت القصف، أو أُم تتحدث عن ابنها الذي لم تتمكن من وداعه، أو عائلة تحاول أن تتأقلم مع حياة بلا منزل ولا أمان. كنت أكتب كل ذلك، لكنني في داخلي أعيش جزءاً منه أيضاً.
دائماً كنت أحاول أن أبدو مهنية، وأن أفصل بين مشاعري وعملي، لكن في الحقيقة كان هذا الفصل ينهار شيئاً فشيئاً؛ لأنني وببساطة كنت إنسانة قبل أن أكون صحافية، وهذا ما جعل كل قصة تمر بي كأنها تخصني بطريقة أو بأُخرى.
مع استمرار التغطية، بدأت أشعر بثقل غير مرئي يرافقني في كل مكان. لم تعد القصص تنتهي عند نشر التقرير، بل كانت تستمر أيضاً داخلي بطريقة مختلفة، كنت أسمعها في صمت الغرفة، وفي لحظات الوحدة، وحتى في أحلامي؛ إذ أصبح الألم الذي أنقله جزءاً من يومي، لا مجرد عمل أنجزه ثم أتركه ورائي.
وحينها جدت نفسي أمام سؤال داخلي مؤلم: كيف يمكنني أن أستمر في توثيق كل هذا من دون أن أفقد نفسي؟ وكيف أكون شاهدة على كل هذا الدمار، وفي الوقت نفسه أحافظ على قدرتي على التنفس بصورة طبيعية؟
في أيام كثيرة، كنت أشعر بالإرهاق الشديد، ليس جسدياً فحسب، بل نفسياً أيضاً، لكنني دائماً ما أعود إلى فكرة واحدة: أن هناك مَن يحتاج إلى مَن يجعل قصته مسموعة، فالصمت في أوضاع كهذه قد يكون شكلاً آخر من أشكال الغياب.
لكن مع الوقت، بدأت أفهم أن الاستمرار من دون دعم نفسي حقيقي، يمكن أن يؤدي إلى انهيار داخلي لا يُرى من الخارج. كما بدأت ألاحظ أن الصحافيين في مناطق الحروب لا يحملون عبء العمل فقط، بل يحملون أيضاً عبء ما يشاهدونه ويسمعونه ويعيشونه.
في تموز/يوليو 2026، تواصلت معي صديقة صحافية من الضفة الغربية وأخبرتني عن برنامج دعم نفسي مخصص للصحافيين العاملين في أوضاع قاسية. كانت شروق الأسعد من الأشخاص الذين يدعمون الصحافيين في غزة، وشجعتني على الانضمام من دون تردد.
في البداية، كنت مترددة وكنت أظن أنني أستطيع الاستمرار وحدي، وأن الحديث عن الألم قد يفتح أبواباً لا أريد مواجهتها، لكنّ شيئاً بداخلي كان يقول إنني أحتاج إلى هذه الخطوة أكثر مما أعتقد. لذلك، سجلت في البرنامج، وقررت أن أذهب مع صديقتي سجود، التي كانت تشعر بما أشعر به تقريباً.
لم أكن أعلم أن هذه الأيام الثلاثة ستغير الكثير داخلي. عندما دخلت المكان، شعرت بشيء مختلف. لم نكن هناك كصحافيين، إنما كبشر مرهقين يحملون فوق طاقتهم. وللمرة الأولى منذ وقت طويل، لم يُطلب منا أن نروي قصص الآخرين، بل أن نتحدث عن أنفسنا.
قادت الجلسات أخصائية نفسية تُدعى الدكتورة هالة، وكانت تملك قدرة غريبة على جعل المكان مساحة آمنة؛ إذ بدأنا نتحدث شيئاً فشيئاً عن الخوف، والفقد، والإرهاق، واللحظات التي لم نعد نستطيع فيها البكاء على الرغم من كوننا نريد ذلك بشدة.
اكتشفت أن ما أشعر به ليس حالة فردية، إنما هو شعور مشترك بين كثير من الصحافيين. كأننا جميعاً نحمل الجرح نفسه، لكن بأشكال متنوعة. كان هذا الإدراك وحده مريحاً ومؤلماً في الوقت نفسه.
لم تكن الجلسات كلاماً فقط، بل كانت أيضاً مساحة للتعبير بكل الطرائق الممكنة. رسمنا، وتحدثنا، وصمتنا، وأحياناً بكينا من دون أن نشعر بالحرج. كان هناك شيء علاجي في أن نكون ضعفاء من دون خوف.
في إحدى الجلسات، غنينا أغنية “بكلم نفسي”، وكانت إحدى مقاطعها تقول: “أنا الكنز اللي بالرحلة، أنا الحاجة اللي تستاهل.” في تلك اللحظة، شعرت بأن الكلمات تخاطبني مباشرةً، كأنها تذكرني بأنني لست ناقلة للألم فقط، بل أنا أيضاً إنسانة تستحق أن تُرى وأن تحافظ على صحتها النفسية وأن تحقق إنجازات.
وشعرت لأول مرة منذ فترة طويلة بأنني أتنفس بطريقة أعمق، كأن شيئاً كان يضغط على صدري لكنه بدأ يخف قليلاً. لم يختفِ الألم، لكنه أصبح مفهوماً أكثر، وأقل حدّة.
تعلمت خلال تلك الأيام أن الاعتراف بالتعب ليس ضعفاً، وأن طلب الدعم ليس هزيمة، بل هو خطوة ضرورية للاستمرار، وأن الصحافي مهما يكن قوياً، ففي النهاية يظل إنساناً يحتاج إلى مساحة آمنة ليعيد ترتيب نفسه.
بعد انتهاء التدريب، عدت إلى عملي وأنا أشعر بشيء مختلف. لم أعد أرى نفسي كمن تنقل الألم فحسب، بل كمن تحتاج أيضاً إلى حماية نفسها من هذا الألم. أصبحت أكثر وعياً بحدودي، وأكثر إدراكاً لأهمية التوقف أحياناً.
في غزة، لا يواجه الصحافيون خطر القصف وصعوبة الوصول إلى الحقيقة فقط، بل يواجهون أيضاً تراكماً نفسياً هائلاً من القصص التي يعيشونها يومياً. وبينما نحاول أن نحفظ ذاكرة الآخرين، ننسى أحياناً أن ذاكرتنا نحن أيضاً تحتاج إلى حماية.
تعلمت أن الصحافة ليست شجاعة في مواجهة الخارج فقط، بل هي أيضاً شجاعة في مواجهة الداخل، كما تعلمت أيضاً أن الاستمرار في نقل الحقيقة لا يحتاج إلى قلب قوي فقط، بل يحتاج أيضاً إلى قلب مُعتنى به.
اليوم، ما زلت أكتب، وما زلت أروي، وما زلت أعود إلى الميدان، لكنني أحاول أيضاً أن أعود إلى نفسي بين الحين والآخر، لأن الحقيقة تستحق أن تُروى، ولأن مَن يرويها يستحق أن يبقى قادراً على الحياة داخلها، لا أن يضيع فيها.
