
ليس المجلس الوطني الفلسطيني مجرد هيئة سياسية تعقد اجتماعات دورية وتصدر القرارات، بل يفترض أن يكون أحد أهم الأطر التمثيلية للشعب الفلسطيني. فقد شكّل المجلس الوطني، بمثابة برلمان للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، وقبل إنشاء «السلطة الفلسطينية»، كان مساحة وطنية جامعة لمناقشة القضايا المصيرية ورسم السياسات العامة لمنظمة التحرير الفلسطينية.
لكن، بعد توقيع اتفاق أوسلو، جرى، توظيف مؤسسات منظمة التحرير الفلسطينية لخدمة مسار التسوية والتطبيع والتنسيق الأمني.
ومن هنا، فإن الدعوة إلى مقاطعة اجتماعات المجلس الوطني لا ينبغي أن تُقرأ باعتبارها مجرد خطوة احتجاجية عابرة، بل باعتبارها موقفًا سياسيًا وحاجة وطنية ملحّة، لأنها تفتح أسئلة جوهرية حول طبيعة المؤسسات الفلسطينية التي جرى اختطافها وتهميش دورها، وتغيير ميثاقها، والهيمنة على مواردها، وتوظيف قيمتها الشعبية وتكريسها في خدمة مشروع أوسلو والطبقة البرجوازية المستفيدة منه ومدى قدرتها على تمثيل مختلف مكونات الشعب الفلسطيني، وتحقيق آماله في التحرير والعودة.
وفي ظل استمرار الإبادة في غزة، والعدوان على الضفة الغربية المحتلة وال، والتهديد المستمر لوجود شعبنا في فلسطين المحتلة 48 وتهميش الشتات، وتراجع الثقة الشعبية بالمؤسسات الفلسطينية، تبرز الحاجة إلى إعادة فتح النقاش حول إعادة تأسيس منظمة التحرير الفلسطينية من جديد. فالمشكلة، لا تكمن في عقد اجتماع بحد ذاته، أو في سياسات الإقصاء والإملاء، بل في مدى قدرة هذه المؤسسات على النهوض بالشعب الفلسطيني مجددًا، في ظل حالة العجز الفكري والتخبط الاستراتيجي والتوريث السياسي المهيمن على نهج منظمة التحرير ومنهجيتها في إدارة شؤونها.
في العمل السياسي، لا تعني المقاطعة الانسحاب من الحياة الوطنية، بل تعني جرس إنذار لإيقاظ النخب الفلسطينية على مختلف المستويات وفتح نقاش حول مسار ثوري بديل للمسار القائم، باعتباره حاجة وطنية جامعة في الداخل والخارج.
فالضفة الغربية المحتلة تعاني من الاستيطان والحصار الاقتصادي والأمني، بينما تواجه غزة تداعيات الحرب على مختلف المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والمعيشية، في حين يعاني الشعب الفلسطيني في الشتات من سياسات التهميش الرسمية وعدم إشراكه في عملية صنع القرار بعد خروج منظمة التحرير من بيروت بعد الاجتياح الاسرائيلي عام 1982 وتدمير الاتحادات والنقابات الشعبية الفلسطينية التي شكلت العامود الفقري والحاضنة الشعبية والجماهيرية للعمل الفدائي ، لتصبح هذه الاتحادات والنقابات موزايك ضروري لتشكيل ادوات تخدم منهج ومشروع السلطة الفلسطينية وسفاراتها في الشتات .
ويضاف إلى هذه المشهدية واقع الوالمات الإسلامية والمسيحية، بما يعكس الحاجة إلى مسار سياسي وطني جديد ومبادرة تاريخية تتجاوز حالة الاصطفاف السياسي والمحاصصة والمناكفة على إدارة مؤسسات منظمة التحرير.
ومن هنا تبرز فكرة المقاطعة، والحاجة إلى بناء جبهة وطنية جامعة وبديلة عن نهج «الواقعية السياسية» الذي كرّس الاحتلال وفرط بالثوابت والحقوق الفلسطينية وحول المقاومين والمناضيلين الى موظفين مرتكزين على وهم الوصول إلى دولة لا تمتلك حدودًا واضحة أو عاصمة أو اقتصاد وطني ومؤسسات سيادية مكتملة.
أما طرح المشاركة بهدف «حماية ظهر المقاومة»، فهو تقديرًا سياسيًا خاطئًا، انطلاقًا من أن حركات المقاومة والتحرر تستند إلى الدعم الشعبي والجماهيري، وأن رصيدها يرتبط بالفعل المقاوم والاشتباك المستمر مع الاحتلال وتمثيلها وشرعيتها يستمدان من شهدائها وأسراها ومناضيلها .
فمعركة الكرامة التي ساهمت في اتساع قاعدة المقاتلين والمتطوعين في الثورة الفلسطينية ليصبح أعداذ المتطوعين في الثورة أكثر من عدد البنادق المتوفرة ، وانتفاضة الحجارة التي حظيت بتفاعل شعبي ودولي واسع، وصولًا إلى “طوفان الأقصى» التي أحدثت تحولات ملحوظة في مواقف الرأي العام العالمي تجاه القضية الفلسطينية كلها ارتكزت على الكفاح المسلح والمقاومة المستمرة .
وبناءً على ذلك تبرز الحاجة الى اعادة بناء منظمة التحرير وتحريرها من خاطفيها لتعود ممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني على قاعدة المقاومة والتمسك بالثوابت التي رسمت معالمها وأعطتها زخمًا شعبيًا فلسطينيًا وعربيًا وإسلاميًا ودوليًا وأمميًا أما العزف على وتر الواقعية السياسية والبراغمتية والدبلوماسية وتدوير الزوايا فكلها مفاهيم ومصطلحات لفظت انفاسها أمام اعتداءات المستوطنين ومعاناة الأسرى والمذبحة المستمرة في غزة .
