
مجددًا، حول تصريحات نتنياهو وكاتس، وعطفًا على ما حذّرنا منه سابقًا، فالأكيد أن حكومة الاحتلال قررت المضي قدمًا في خطط التصعيد ضد الفلسطينيين في قطاع غزة والضفة الغربية والخارج، واستخدام دمائهم ومعاناتهم وآلامهم مادةً لتعزيز أسهمها الانتخابية، وفي الوقت ذاته استكمال تنفيذ الخطط الأيديولوجية الإحلالية لليمين الصهيوني، الذي يرى في الاندفاعة الهجومية الحالية فرصة تاريخية لـ”حسم الصراع” وفرض وقائع تُجهز على الحضور الفلسطيني وحلمه وأفقه.
الساحات الفلسطينية، على اختلاف أماكن الوجود، هي الملف الأقل كلفة بالنسبة إلى بنيامين نتنياهو، وفي الوقت ذاته الأكثر رمزية في حساباته الانتخابية؛ إذ تبقى غزة “المكان الذي بدأ منه كل شيء”، واستقرارها يعني عودة أسئلة الفشل والسابع من أكتوبر، بما يحمله من تساؤلات ومطالبات بلجان تحقيق ومراجعة. فيما تُشكّل الضفة الغربية درة التاج لخطط اليمين الصهيوني في الضفة الغربية المحتلة، ويُجدّد كاتس الآن إدراج الخارج واغتيال القيادات الفلسطينية فيه ضمن بنك الأهداف.
يعلم بنيامين نتنياهو أن التصعيد ضد الفلسطينيين، رغم ما يُقابَل به من انتقادات وشجب واستنكار، سواء من الأوروبيين أو الصين أو جموع المنسحبين في الأمم المتحدة، يبقى، على الرغم من تأثير ذلك معنويًا، أقل من أن يُشكّل ضغطًا قاهرًا على “إسرائيل”.
ويأتي ذلك في وقت تضع فيه الولايات المتحدة جُلّ اهتمامها في الملف الإيراني وتأثيراته على الانتخابات النصفية، وتكتفي بمطالبة “إسرائيل” بألّا ينهار اتفاق وقف إطلاق النار رسميًا، حتى لا يُحكم بفشل مشروع “مجلس السلام”، الجسم الوحيد الذي ما زال ترامب يستطيع تقديمه إنجازًا في سياسته الخارجية.
لذلك، فإن الأوضاع، للأسف، مرشحة لمزيد من التصعيد في الساحات الفلسطينية، وستكون غزة والضفة الغربية طوال أكتوبر/ تشرين الأول القادم على موعد يومي متجدد مع جرائم إسرائيلية وانفلات أكبر في السلوك الإجرامي لجيش الاحتلال والمستوطنين، كما أن آلة البطش الإسرائيلية لن تتوانى عن محاولة الوصول إلى أيٍّ من قادة الفصائل الذين يظهرون على رادارها في الخارج.
وفي ظل اكتفاء المجتمع الدولي بالانتقاد الكلامي، فإن التهيئة الإسرائيلية الحالية، وحتى حديث بنيامين نتنياهو عن رصد “نوايا هجومية” في موسم الانتخابات، تؤكد ما قدّرناه سابقًا بشأن تصريحات كاتس حول “الخطف”، وكونها تمهيدًا لتصعيد هجومي قد تختلف طريقة بدايته، ويُقدَّم بوصفه هجومًا استباقيًا يرتكز إلى العقيدة الأمنية الإسرائيلية بعد السابع من أكتوبر، القائمة على المبادرة الهجومية. وهذا ما سيمنح نتنياهو التصعيد الدموي الذي يريده قبل موسم الانتخابات، وربما يُضمّنه جرائم كبرى كفيلة بإشعال المنطقة بأسرها.
الفلسطيني الطرف الأضعف، وما لديه فعليًا هو الحشد لجبهة ضغط عربية وإسلامية، ترفع من درجة النباهة الدولية تجاه النوايا الإبادية الإسرائيلية الواضحة والمُصرح فيها، وتضغط على الولايات المتحدة بما لا يجعل الساحة الفلسطينية هي الساحة الأقل كلفة والأسهل لتصعد “إسرائيل” عدوانها الدموي.
بالتأكيد اتفاق وقف إطلاق النار ليس مًا ولا ثابتًا من الثوابت، لكن الثابت أن الموقف الفلسطيني مجمع على محورية وأهمية وقف الإبادة ووضع حد للاعتداءات الإسرائيلية المتصاعدة، والتمسك باتفاق وقف إطلاق النار هو ليس تمسكا من بوابة ترف الخيارات، بقدر ما هو تمسك بالمسار الوحيد المتاح للأسف لوقف الإبادة. وبناء عليه، فإن الأجدى الآن هو الحشد لأن يكون هناك توجه سريع لحشد المواقف التي تسلط الضوء على ما يجري في الأراضي الفلسطينية، حتى لا يُطبع معها الرأي العام الدولي وتتحول إلى مشاهد عادية ومعتادة، في الوقت الذي يُفترض أن يُنظر إليها باعتبارها استئنافا وتوسيعا لحرب الإبادة لتشمل قطاع غزة والضفة الغربية وكل الوجود الفلسطيني.
كل جانب التحركات الرسمية، فإن عودة الزخم إلى الشوارع، وفي مقدمتها الشارع الأمريكي الذاهب لانتخابات التجديد النصفي، ستُشكل ضغطًا أكثر على الحكومات من أجل مواقف تُعيد التركيز على الملف الفلسطيني، وتوجه الرأي العام من جديد تجاه فلسطين. صحيح هذه ليست حلول سحرية، لكنها على الأقل قادرة على تُعقد الحسابات الإسرائيلية وترفع درجة الحساسية الدولية تجاه النوايا العدوانية.
