
غزة – : في ظل استمرار المواجهات في قطاع غزة وتصاعد خطط التهجير والضم في الضفة الغربية، تثير الانتخابات الفلسطينية المرتقبة مخاوف من تحويلها إلى فرصة جديدة لتجديد الانقسام بدلاً من إنهائه. وفي غزة، أعادت ورشة حوارية نظمها مركز “عروبة” للأبحاث والتفكير الاستراتيجي طرح تساؤلات حول أولوية الانتخابات في هذه المرحلة، مقارنة بالحاجة إلى حوار وطني شامل ومرحلة انتقالية تكون قادرة على إعادة هيكلة الوضع الفلسطيني وتعزيز الشراكة السياسية.
اليوم الخميس، نظم مركز “عروبة” للأبحاث والتفكير الاستراتيجي في مدينة غزة ورشة حوارية بعنوان: “الانتخابات الفلسطينية وتحديات الوحدة الفلسطينية.. قراءة في مقترح تشكيل مجلس وطني انتقالي”، بمشاركة شخصيات من مختلف الفصائل ومستقلين.
حضرت الورشة شخصيات بارزة من بينها عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين كايد الغول، ومسؤول ملف العلاقات الوطنية في الجبهة الشعبية ماهر مزهر، وأدار الورشة مدير مركز عروبة أحمد الطناني.
وأشار الطناني إلى أن “الانتخابات تأتي في ظل واقع فلسطيني مؤلم يعيش تحت وطأة الانقسام، ومع ثلاث سنوات من التوتر، ولم يكن الحراك الفلسطيني بالمستوى المطلوب أمام التحدي المتمثل في إجراء الانتخابات التشريعية من دون حوار وطني يسبقها، مما يثير العديد من التساؤلات: هل ستؤدي الانتخابات إلى تفاقم الانقسام أم تعبير عن أزمة الشعب والتهرب من الأسئلة الجوهرية؟”.
وأضاف: “هنالك مبادرة مهمة من الجبهة، ونعتقد أنها تستحق نقاشًا سياسيًا جادًا، خصوصًا في قطاع غزة الذي يتمسك بوجوده. نعتبر أن هذه الورشة جزء من مواجهة المخاطر ومكافحة محاولات إخراج غزة من دائرة الفعل والمساهمة الوطنية”.
الأولوية للمصلحة الوطنية
بدوره، أكد كايد الغول، عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية، أن مبادرة الجبهة بشأن الانتخابات نابعة من “منظور وطني عميق”، تهدف إلى حماية المصلحة الوطنية الفلسطينية وتعزيز عوامل القوة في مواجهة التحديات التي تتعرض لها القضية الفلسطينية.
وقال الغول: “الجبهة هي طرف في العملية الديمقراطية”، وقد دعمت على مدار السنوات الماضية تعزيز الديمقراطية في المجلس الوطني والاتحادات، مؤكدًا أن الإثارة حول الانتخابات في هذا التوقيت أثارت لدى الجبهة تساؤلات حول الأولويات الوطنية في ظل الظروف الحالية.
وأوضح أن السؤال المطروح هو “هل ندعو إلى انتخابات في ظل واقع فلسطيني معقد، أم أن تأجيلها قد يمنحنا الفرصة لمواجهة التحديات الحالية؟”، مشددًا على أن أي قرار وطني، بما في ذلك الانتخابات، يجب أن يكون له تأثير إيجابي على المصلحة الوطنية، محذرًا من أن “القرارات التي تُتخذ في الوقت غير المناسب قد تؤثر سلبًا على القضية الفلسطينية”.
واقع فلسطيني معقد
وأضاف أن الجبهة، استنادًا إلى هذا المبدأ، تحلل جميع الظروف الدولية والإقليمية والعربية، فضلاً عن الوضع الفلسطيني الداخلي، باعتبارها عوامل تجعل القضية الفلسطينية تواجه مزيدًا من التعقيد، ولا تشجع، وفق تقديراتهم، على اعتبار الانتخابات في هذه المرحلة كخيار لتصحيح الوضع الفلسطيني وإعادة بناء النظام السياسي ليكون أداة موحدة في مواجهة السياسات الإسرائيلية.
غياب الضغط الدولي يتيح استمرار العدوان
وأشار الغول إلى أن النظام الدولي، على الرغم من تعاطفه اللفظي مع الشعب الفلسطيني وتغير الرأي العام الدولي تجاه قضيته، إلا أنه لا يمارس الضغط الكافي على إسرائيل لوقف سياساتها، مما أتاح استمرار العدوان والانتهاكات بدون محاسبة فعالة.
بالإضافة إلى ذلك، وصف الغول الوضع العربي بأنه “تابع وعاجز”، موضحًا أنه غالبًا ما يكتفي بالدعم اللفظي والإنساني دون وجود مواقف سياسية قادرة على كبح سياسات إسرائيل.
تعميق فصل غزة عن الضفة
وعلى المستوى الفلسطيني، أشار إلى استمرار فصل قطاع غزة عن الضفة الغربية، وخطط تهجير سكان القطاع، وتوسيع سيطرة إسرائيل في مناطق من الضفة، بالإضافة إلى الاقتحامات وتفجير المنازل والاعتقالات وزيادة الاستيطان واعتداءات المستوطنين.
وحذر من أن ما يحدث في الضفة الغربية يمثل “مخططًا موازنًا لما يجري في غزة”، مستشعرًا أن فصل الضفة عن غزة قد يقود إلى إنشاء “كانتونات” ونقل نموذج إدارة القطاع إلى محافظات الضفة.
مخاوف من إعادة تشكيل النظام السياسي
وفي هذا الإطار، حذر الغول من مضاعفات نموذج إدارة غزة، معتبرًا أن المسألة لا تقتصر على إدارة القطاع فحسب، بل تشمل تداعيات هذا النموذج وإمكانية انتشاره إلى مناطق أخرى عقب استكمال الخطط الإسرائيلية في الضفة الغربية.
وذكر أن دور ما يسمى بـ “مجلس السلام” وأذرعه في غزة قد يؤدي إلى تغيير في بنية النظام السياسي الفلسطيني، محذرًا من أن هذا قد يُقوِّض النظام القائم ويجعله معتمدًا على قوى مدعومة من إسرائيل والولايات المتحدة، مما قد يؤدي إلى إقصاء الحركة الوطنية الفلسطينية من دائرة التأثير.
وأفاد بأن الهدف الإسرائيلي يتمثل، وفق تقديره، في “إنهاء أي تمثيل لكيان فلسطيني موحد”، بناءً على القناعة بأن تفتيت وحدة الشعب الفلسطيني يتطلب إلغاء أي تمثيل وطني موحد.
كما أشار عضو المكتب السياسي إلى دعوات من مسؤولين إسرائيليين لإنهاء السلطة الفلسطينية، رغم ما قدمته من تنازلات، مؤكدًا أن أي صيغة فلسطينية تتبع بالكامل الرؤية الإسرائيلية قد تعزز هذا الاتجاه، وقد تُلغى الانتخابات إذا لم تحقق النتائج المرجوة.
ماهر مزهر: نريد الذهاب إلى الحوار قبل صدور المراسيم الرئاسية
من جهته، قال ماهر مزهر، مسؤول مكتب العلاقات الوطنية في الجبهة الشعبية، إنّ الجبهة ترى أن الأولوية الحالية تتمثل في الذهاب إلى حوار وطني شامل، مؤكدًا أن الدعوة للحوار يجب أن تسبق أي خطوات تتعلق بإجراء الانتخابات.
وقال مزهر: “ما يحدث في الضفة الغربية يمثل خطوات فعلية باتجاه التقسيم الزماني والمكاني، بينما تستمر الحرب والمعاناة في قطاع غزة، مما يستدعي ترتيب الأولويات الوطنية قبل التوجه للانتخابات”.
واستطرد قائلاً: “قبل صدور المراسيم الرئاسية من الرئيس أبو مازن، كنا نرغب في الحوار قبل كل شيء”، مشددًا على أن استمرار التوتر في قطاع غزة، بجانب الإجراءات المتعلقة بالتهويد واعتداءات المستوطنين في الضفة، يتطلب تعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتوحيد الجهود الوطنية.
الانتخابات والحوار الوطني
ووضح مزهر أن القلق الأساسي لدى الجبهة “ليس من تأجيل الانتخابات، وإنما من تحولها إلى أداة لإعادة إنتاج الانقسام الفلسطيني”، متسائلاً عن إمكانية إجراء انتخابات وطنية في وقت لا يزال الحوار بين حركتي فتح وحماس معلقًا، في ظل تأجيل اللقاء الذي كان مقررًا بينهما.
وتساءل: “كيف يمكننا التوجه إلى انتخابات دون حوار مع حماس والجهاد؟، وكيف نتجه نحو حكومة والانقسام لا يزال مستمرًا؟”، داعيًا إلى “حوار وطني شامل للأمناء العامين” لوضع أسس لتعزيز صمود الشعب الفلسطيني وتحديد أولويات المرحلة القادمة.
وأشار إلى أن الانتخابات لا يمكن فصلها عن التطورات السياسية المحيطة بها، متسائلًا عن جدوى الاندفاع لإجرائها في ظل انتظار الانتخابات الإسرائيلية وما قد ينتج عن ذلك من إمكانية صدور قرار إسرائيلي بمنع الانتخابات الفلسطينية، مما قد يعيد النقاش إلى نقطة الصفر.
وذكر أن الجبهة طرحت رؤيتها بعد لقاءات مع الفصائل الفلسطينية، معتبرًا أن استمرار إدارة الملف الفلسطيني دون معالجة جذور الانقسام قد يؤدي إلى “تثبيت الانقسام بمسميات جديدة”، بما في ذلك اقتراح حكومة لإدارة غزة والضفة مع استمرار الانقسام.
إعادة بناء النظام السياسي
واختتم مزهر بالقول إن المرحلة المقبلة تتطلب بناء تحالفات وطنية وخطوات مسؤولة من القيادة الفلسطينية، داعيًا إلى إقرار عقد حوار وطني في القاهرة خلال الأيام المقبلة، مع التأكيد على أهمية وجود الرئيس محمود عباس في القاهرة ودعوة جميع الفصائل للمشاركة.
وشدد على أن “البوصلة الأساسية يجب أن تكون مرتبطة بالقضية الفلسطينية”، مشيرًا إلى أن الجبهة قدمت مجموعة من القضايا المتعلقة بشكل المرحلة القادمة، في مقدمتها إعادة بناء المجلس الوطني على أساس مشاركة الجميع، دون هيمنة أو إقصاء.
وأوضح أن المطلوب هو إجراء حوار حول عضوية المجلس الوطني، وتحديد أولويات النضال الوطني، ووضع أسس سياسية ومؤسساتية للمرحلة القادمة، محذرًا من أن عدم معالجة هذه القضايا قد يقود إلى “انقسام جديد يتجاوز الأعوام الطويلة”.
تعزيز صمود غزة وإنهاء الانقسام
وكرّر مزهر التأكيد على أن الجبهة لا تعتمد في موقفها على حسابات فئوية أو البحث عن تمثيل سياسي، قائلًا: “85% من البنية التحتية في غزة مدمرة، والجبهة لا تسعى لمقعد هنا أو هناك أو لحسابات فئوية، لذا فإن همنا الأكبر هو شعبنا”.
وأكد مسؤول العلاقات الوطنية في الجبهة أن التهجير لا يزال مستمراً، وأن الإجراءات الإسرائيلية تفرض وقائع جديدة في مختلف مجالات الحياة داخل قطاع غزة، معتبرًا أن هذه الحقائق تعيق بناء مقومات صمود حقيقية للسكان، مما يمهد، وفق تقديره، لتهيئة البيئة لاستمرار التهجير لسنوات قادمة.
وشدد على أن مواجهة هذه التحديات تتطلب إنهاء الانقسام الفلسطيني، وتعزيز الشراكة الوطنية، وإعادة بناء المؤسسات السياسية على أساس مشاركة جميع القوى والمكونات الفلسطينية.
مبادرة الجبهة الشعبية تضع الحوار الوطني والشراكة أولوية
في هذا السياق، أكد المشاركون في الورشة على ضرورة إعطاء الأولوية للحوار الوطني الشامل، قبل التوجه إلى الانتخابات، مشددين على أن التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني، في ظل استمرار المواجهات في قطاع غزة وارتفاع الاعتداءات ومخططات التهجير في الضفة الغربية، تتطلب ذلك.
وأكد المشاركون أن الحوار المطلوب ينبغي أن يجمع الأمناء العامين والقوى والفصائل الفلسطينية، ويقوم على أساس الشراكة الوطنية، بعيدًا عن الهيمنة أو الإقصاء، بهدف التوصل إلى توافق حول برنامج سياسي واستراتيجية وطنية لمواجهة السياسات الإسرائيلية وتعزيز صمود الشعب الفلسطيني.
وشددت المداخلات على أن محور النقاش لا يكمن في رفض الانتخابات كاستحقاق ديمقراطي وحق أصيل للشعب الفلسطيني، بل في تهيئة الظروف السياسية والوطنية التي تضمن أن تشكل الانتخابات مدخلًا لإعادة بناء النظام السياسي وتوحيده، بدلًا من أن تكون وسيلة لإعادة إنتاج الانقسام أو تحوله إلى أشكال جديدة.
وحذر المشاركون من إجراء الانتخابات في ظل استمرار الانقسام السياسي والجغرافي وغياب التوافق الوطني، معتبرين أن ذلك قد يؤدي إلى انتخابات تفتقر إلى الشرعية السياسية والوطنية، أو تؤدي إلى تعميق الانقسام بدلاً من إنهائه، بالإضافة إلى مخاطر التدخلات الخارجية ومحاولات التأثير على شكل النظام السياسي المقبل.
وأشاروا إلى أن المرحلة الحالية تتطلب، قبل الانتخابات، إعادة ترتيب الوضع الفلسطيني وإعادة بناء المؤسسات الوطنية على قاعدة الشراكة، بما يشمل دراسة مستقبل المجلس الوطني وعضويته، وضمان تمثيل مختلف القطاعات والقوى، بما فيها الشباب والمرأة، إلى جانب الاتفاق على قواعد العمل السياسي وأولويات النضال الوطني.
وطُرح خلال النقاش إمكانية تشكيل مرحلة انتقالية كإطار مؤقت لإجراء هذا الحوار وترتيب المؤسسات الوطنية، وصولاً إلى تشكيل هيئات ومؤسسات توافقية وحكومة وطنية تعالج القضايا الإنسانية والمعيشية للشعب الفلسطيني، وتُهيئ الظروف لإجراء انتخابات شاملة في بيئة سياسية أكثر استقرارًا وتوافقًا.
كما أكد المشاركون أن الانتخابات يجب أن تكون جزءًا من مشروع وطني شامل لإعادة بناء النظام السياسي، وليس مجرد استحقاق انتخابي منفصل عن السياق السياسي، مشددين على أن تجديد النظام السياسي لا يمكن أن يتحقق بدون توافق وطني وشراكة حقيقية بين مختلف مكونات الشعب الفلسطيني.
وحذروا من أن استمرار الانقسام في ظل الظروف الحالية قد يؤدي إلى تحوله من انقسام جغرافي إلى انقسام سياسي أعمق، ويوفر فرصة لتشكل قوى مرتبطة بتدخلات خارجية، ما قد يُضعف الحركة الوطنية ويهدد وحدة التمثيل الفلسطيني.
واختتمت المداخلات بالتأكيد على ضرورة صياغة استراتيجية وطنية موحدة تعزز الوحدة والصمود، وتضع أسسًا لإدارة المرحلة المقبلة ومواجهة المخططات الإسرائيلية، على أن يكون الحوار الوطني الشامل والشراكة الفلسطينية قاعدة أساسية لأي مسار سياسي أو انتخابي قادم.
