
متابعة مع حلول الذكرى الثالثة لمعركة “طوفان الأقصى” في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، نشر جيش الاحتلال حصيلة واسعة لعملياته العسكرية خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي لم تبق محصورة في قطاع غزة، بل امتدت إلى لبنان وسوريا وإيران واليمن، في حرب خلفت عشرات آلاف الشهداء ومئات آلاف الجرحى، إلى جانب دمار واسع في المناطق التي تعرضت للهجمات.
وبحسب بيانات نشرها جيش الاحتلال، اليوم الأربعاء، فإنه هاجم منذ بداية الحرب نحو 100 ألف هدف في مختلف الجبهات، بينها 65 ألف هدف في قطاع غزة، و28 ألفًا في لبنان وسوريا، و4500 هدف في إيران، ونحو 80 هدفًا في اليمن.
وقال جيش الاحتلال إن الجبهات المختلفة أطلقت خلال الفترة ذاتها نحو 10 آلاف و200 صاروخ من غزة باتجاه “إسرائيل”، و20 ألفًا من لبنان، و1200 من إيران، و90 من اليمن، ونحو 50 من سوريا.
وتعكس هذه الأرقام، وفق المعطيات المعلنة، اتساع نطاق الحرب التي شنها الاحتلال على مدار ثلاث سنوات، والتي أسفرت عن استشهاد نحو 100 ألف فلسطيني ولبناني وسوري، وإصابة مئات آلاف آخرين، فضلًا عن دمار هائل في قطاع غزة ومناطق أخرى تعرضت للهجمات.
وبعد ثلاث سنوات من الحرب، يبرز مجددًا السؤال حول الأهداف التي أعلنتها حكومة الاحتلال عند بدء الحرب، وما الذي تحقق منها، في ظل استمرار القتال والتوتر في عدد من الجبهات.
طوفان الأقصى.. حماس لم تنتهِ
في 30 تشرين الأول/أكتوبر 2023، حدد رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو هدف الحرب بـ”تدمير القدرات العسكرية والحكومية لحماس”، قبل أن يضيف لاحقًا إعادة جميع الأسرى وضمان ألا يشكل قطاع غزة تهديدًا لـ”إسرائيل” مجددًا.
وفي تشرين الثاني/نوفمبر 2024، قال نتنياهو إن الحرب لن تنتهي قبل “القضاء على حماس”، وإعادة الأسرى وضمان أمن مستوطنات الجنوب والشمال.
وبعد ثلاث سنوات، تمكن الاحتلال من اغتيال عدد كبير من قادة الصف الأول في حركة “حماس” وكتائب القسام، بينهم رئيس الحركة في غزة يحيى السنوار، والقائد العام لكتائب القسام محمد الضيف، إلى جانب قيادات عسكرية وسياسية أخرى.
كما اغتيل رئيس المكتب السياسي للحركة إسماعيل هنية في طهران، قبل أن تقر “إسرائيل” لاحقًا بمسؤوليتها عن العملية.
لكن هذه العمليات لم تحقق حتى الآن أحد أبرز الأهداف السياسية المعلنة للحرب، وهو إنهاء حماس ونزع سلاحها.
ونقلت صحيفة “يديعوت أحرونوت” هذا الأسبوع عن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية إقرارها بأن قطاع غزة لا يزال “بعيدًا عن الحسم”، رغم سيطرة جيش الاحتلال على نحو 64 بالمئة من مساحته وإقامته نحو 30 موقعًا عسكريًا داخله.
وبعد مرور نحو عام على اتفاق وقف إطلاق النار الذي رعته إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لم يؤدِ إلى نزع سلاح حماس، أو انسحاب الاحتلال الكامل من القطاع، أو إطلاق عملية إعادة إعمار واسعة.
طوفان الأقصى.. الأسرى ليس بطريقة نتنياهو
أما ملف الأسرى الإسرائيليين، وهو أحد الأهداف الرئيسية التي أعلنتها حكومة الاحتلال للحرب، فقد أُغلق قبل حلول الذكرى الثالثة، مع عودة جميع الأسرى إلى “إسرائيل” أحياء أو جثامين، إلا أن عودة القسم الأكبر منهم لم تتم بالطريقة التي أرادها نتنياهو.
فرئيس حكومة الاحتلال الذي كرر في بداية الحرب رفضه إبرام صفقة مع “حماس”، لم يتمكن من إعادة سوى عدد محدود من الأسرى عبر العمليات العسكرية، قبل أن يضطر لاحقًا إلى الدخول في صفقة تبادل واسعة.
ولخص الباحث الإسرائيلي والضابط السابق في الاستخبارات العسكرية ميخائيل ميلشتاين هذه المفارقة في قراءة نشرها في “يديعوت أحرونوت” قبيل الذكرى، قائلًا إن خصوم “إسرائيل” تلقوا ضربات قاسية، لكنهم “بقوا على قيد الحياة ويعملون على إعادة بناء أنفسهم”.
واعتبر ميلشتاين أن الحرب، رغم التحولات الإقليمية الواسعة التي أحدثتها، لا تزال “بعيدة عن نهايتها”.
طوفان الأقصى.. إبادة ودمار واسع في غزة
في المقابل، خلف العدوان الإسرائيلي دمارًا هائلًا في قطاع غزة، بعد ثلاث سنوات من القصف والعمليات البرية.
وتقول وزارة الصحة في غزة إن أكثر من 74 ألف فلسطيني استشهدوا منذ بداية الحرب، فيما أظهرت صور أقمار صناعية أن مدنًا وأحياء كاملة تعرضت للتجريف، وأن مدينة رفح أصبحت شبه ممسوحة، بينما بات الفلسطينيون محصورين في نحو 40 بالمئة من مساحة القطاع.
وتأتي هذه الحصيلة في ظل استمرار آثار الحرب على مختلف قطاعات الحياة في غزة، مع دمار واسع للمنازل والبنية التحتية والخدمات الأساسية، وتفاقم أزمات النزوح والإيواء والصحة والغذاء.
وتزامنًا مع هذه الذكرى، يواصل الاحتلال خروقاته، وسط تقارير عن أكثر من 5 آلاف خرق للاحتلال ونحو 1500 شهيد منذ اتفاق غزة.
طوفان الأقصى.. من لبنان إلى طهران
وخارج غزة، تمكن جيش الاحتلال من اغتيال الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله، إلى جانب عدد كبير من أعضاء قيادته العسكرية وقادة قوة الرضوان ومنظومة الصواريخ، فيما تراجعت قدرات الحزب الصاروخية وقدرته على شن عمليات واسعة عبر الحدود، مقارنة بما كانت عليه عشية الحرب، وفق تقديرات إسرائيلية.
لكن الجبهة اللبنانية لم تُغلق نهائيًا، إذ اندلعت جولة واسعة أخرى في آذار/مارس 2026 بعد دخول حزب الله الحرب دعمًا لإيران، قبل التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حزيران/يونيو.
وبقيت قوات الاحتلال بعد ذلك داخل أراضٍ لبنانية، فيما استمرت الضربات والاشتباكات المتفرقة.
أما المواجهة مع إيران، فتحولت من حرب ظل وعمليات سرية إلى مواجهات مباشرة واسعة، ووصل عدد الأهداف التي يقول جيش الاحتلال إنه هاجمها داخل إيران إلى 4500 هدف خلال ثلاث سنوات.
ويقول جيش الاحتلال إن العمليات الإسرائيلية والأمريكية أسهمت في إلحاق أضرار كبيرة بمنظومات الصواريخ والطائرات المسيّرة والدفاعات الجوية الإيرانية، إلى جانب منشآت عسكرية ونووية.
إلا أن تقييم نتائج الضربات على البرنامج النووي الإيراني بقي موضع خلاف، إذ قالت تقييمات استخباراتية أمريكية في أيار/مايو الماضي إن الضربات الأخيرة ألحقت أضرارًا إضافية محدودة بالبرنامج النووي الإيراني، وإن تقدير المدة اللازمة لطهران لإنتاج سلاح نووي لم يتغير بصورة جوهرية عن تقديرات ما بعد حرب 2025، في ظل بقاء جزء كبير من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب بعيدًا عن الرقابة الدولية.
كلفة كبيرة على جيش الاحتلال
وتظهر الأرقام التي نشرها جيش الاحتلال مؤخرًا أن 970 من جنوده قتلوا خلال الحرب التي اندلعت في 7 أكتوبر 2023.
وفي المقابل، ارتفع حجم منظومة الاحتياط بنحو 36 بالمئة، فيما أقرت المؤسسة العسكرية بأنها اضطرت إلى إجراء تغييرات واسعة في منظومة الإنذار والاستخبارات، وإعادة بناء الدفاع عن مستوطنات غلاف غزة، وإنشاء نحو 40 موقعًا عسكريًا جديدًا في الجنوب، ومضاعفة قوات الطوارئ والاحتياط في عدد من الجبهات.
وفي حصيلة منفصلة نشرتها وزارة الحرب الإسرائيلية عشية الذكرى، قالت إن نحو 30 ألف جريح من الجيش وقوات الأمن التحقوا بقسم إعادة التأهيل منذ 7 أكتوبر، وإن 63 بالمئة منهم يعانون من أعراض أو إصابات نفسية، متوقعة ارتفاع إجمالي من يحتاجون إلى العلاج خلال السنوات المقبلة.
