
الضفة الغربية – بالجرافات والآليات العسكرية، بدأ الاحتلال الإسرائيلي حملة جديدة في مدن وبلدات الضفة الغربية، مستهدفًا هذه المرة النصب التذكارية والصروح التي تحمل أسماء الشهداء وصورهم، في خطوة تطال معالم حاضرة في المشهد العام للمدن والمخيمات والبلدات الفلسطينية.
ومنذ الليلة الماضية وحتى فجر اليوم، تحركت قوات الاحتلال في عدد من محافظات الضفة، وشرعت بعمليات تجريف وإزالة لصروح تذكارية في وسط مدينة جنين ومحيط مخيمها، إلى جانب مواقع في بلدتي عرابة ويعبد، فيما طالت عمليات التجريف عددًا من الميادين في محافظة نابلس.
وأعلن جيش الاحتلال أن الحملة تستهدف نحو 50 نصبًا وصرحًا تذكاريًا للشهداء في أنحاء الضفة الغربية، مشيرًا إلى أن عمليات الإزالة ستتواصل خلال الأيام والأسابيع المقبلة، ما يفتح الباب أمام حملة أوسع تشمل مواقع أخرى.
الجرافات في قلب المدن
في جنين، دخلت آليات وجرافات عسكرية إلى مواقع تضم صروحًا تذكارية، وسط انتشار لقوات الاحتلال وإطلاق قنابل الصوت والغاز، الأمر الذي أدى إلى اندلاع مواجهات مع الشبان والأهالي المحتجين على عمليات الهدم.
المشهد لم يكن متعلقًا بإزالة بناء عادي؛ فهذه الصروح تنتشر في الساحات والميادين ومداخل المخيمات والبلدات، وتحمل أسماء وصور شهداء ارتبطوا بذاكرة المكان وأهله. ولهذا تحولت عملية التجريف سريعًا إلى مواجهة ميدانية، بعدما رأى الأهالي في الآليات التي تزيل هذه المعالم استهدافًا لرموز يعتبرونها جزءًا من تاريخ مدنهم ومخيماتهم.
وقال ناشط وشاهد على عملية تجريف أحد الصروح في جنين، في تصريح ميداني: “ما يجري ليس مجرد استهداف لحجارة أو لافتات رخامية، بل هو محاولة بائسة لمحو الذاكرة الجمعية وتجريد شعبنا من رموزه وشهدائه”.
وأضاف أن أسماء الشهداء لا ترتبط بالصروح وحدها، موضحًا أن عمليات الهدم السابقة أثبتت، بحسب قوله، أن هذه المعالم يمكن أن يعاد بناؤها بعد تدميرها، وأن إزالة الحجر لا تعني إزالة حضور أصحاب الأسماء في ذاكرة الأهالي.
من الصرح إلى الذاكرة
تأتي الحملة في وقت تشهد فيه الضفة الغربية تصعيدًا عسكريًا متواصلًا، يشمل الاقتحامات والاعتقالات والحواجز والإغلاقات وعمليات الهدم والتجريف، ما يجعل استهداف النصب التذكارية جزءًا من مشهد أوسع يغيّر تفاصيل الحياة اليومية في المدن والبلدات والمخيمات.
وتحمل الصروح والنصب التذكارية في الساحات الفلسطينية وظيفة تتجاوز شكلها المادي؛ فهي توثق أسماء الشهداء وصورهم، وتربطها بالمكان الذي عاشوا فيه أو قتلوا فيه، وتبقي سيرتهم حاضرة في الفضاء العام. لذلك، فإن إزالة هذه المعالم تغيّر المشهد البصري للمدينة، لكنها لا تلغي بالضرورة الأسماء والقصص المرتبطة بها.
ويبرر الاحتلال حملته بما يصفه بمواجهة “التحريض”، في وقت تتواصل فيه عملياته العسكرية في مناطق مختلفة من الضفة الغربية. وبحسب ما أعلنه جيشه، فإن عمليات إزالة الصروح لن تتوقف عند المواقع التي جرى استهدافها خلال الساعات الماضية، وإنما ستتوسع لتشمل عشرات المواقع.
حملة تتجاوز جنين
ولا تتركز العمليات في جنين وحدها، إذ امتدت إلى مواقع في محافظة نابلس، كما طالت بلدتي عرابة ويعبد، في مؤشر على اتساع نطاق الحملة جغرافيًا.
وتحمل هذه البلدات والمدن ذاكرة طويلة من المواجهات والعمليات العسكرية، وتنتشر فيها صور الشهداء والجداريات والنصب التي أقامها الأهالي والمؤسسات المحلية على مدار سنوات. ومع دخول الجرافات إلى هذه المواقع، أصبح الصرح نفسه هدفًا للعملية العسكرية، بعدما كان يمثل جزءًا من المشهد اليومي للسكان.
وفي ظل إعلان الاحتلال عن قائمة تضم نحو 50 موقعًا، تبدو الساعات والأيام المقبلة مرشحة لمزيد من عمليات الإزالة، خصوصًا أن الحملة أُعلنت باعتبارها عملية مستمرة وليست إجراءً محدودًا في موقع واحد.
الهدم يتكرر.. وإعادة البناء كذلك
وليست عمليات إزالة النصب التذكارية جديدة على مدن الضفة؛ إذ سبق أن تعرضت صروح وجدران تذكارية وصور لشهداء للتدمير خلال اقتحامات عسكرية متكررة، قبل أن يعيد الأهالي ترميم بعضها أو استبدالها بمعالم وصور جديدة.
في جنين ونابلس وطولكرم وغيرها، تحولت عملية إعادة بناء ما دمرته قوات الاحتلال إلى مشهد متكرر؛ فبعد انسحاب الآليات، يعود الأهالي إلى المواقع المستهدفة، يعيدون تثبيت الصور أو كتابة الأسماء أو إقامة شواهد جديدة، لتعود المعالم إلى الساحات مرة أخرى.
وبذلك، لا تتوقف المواجهة عند لحظة وصول الجرافة إلى الصرح، وإنما تمتد إلى ما بعدها؛ فكل عملية هدم تترك وراءها محاولة لإعادة تثبيت الاسم والصورة في المكان نفسه أو في مكان آخر.
ويقول الشاهد في جنين إن الاحتلال “يظن أنه بآلياته يستطيع اقتلاع أسماء الشهداء من قلوب أجيال نشأت على تضحياتهم”، مضيفًا أن تجربة السنوات الماضية أثبتت أن الصروح التي تُهدم “تُعاد بناؤها شعبيًا عقب كل اقتحام”.
وبين جرافة تزيل الحجر وأهالٍ يعيدون تثبيت الأسماء، تدخل الضفة الغربية مرحلة جديدة من استهداف رموز الشهداء في المجال العام. وقد تنجح الآليات في إزالة الصرح من الساحة، لكنها لا تحسم المعركة التي تدور حول الذاكرة نفسها؛ فالأسماء التي كُتبت على الرخام تبقى مرتبطة بالمكان وأهله، وتجد طريقها من جديد إلى الجدران والساحات والبيوت.
