
خاص : منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر عام 2023، انعكست الأجواء السياسية والأمنية على طريقة تعامل سلطات الاحتلال مع عدد من الملفات القضائية التي يتابعها محامون فلسطينيون في الداخل، ولا سيما القضايا المرتبطة بالتعبير عن الرأي والمنشورات والنشاط السياسي.
ويقول المحامي خالد زبارقة، الذي يتابع عددًا من هذه الملفات، إن الحرب أحدثت تغيرًا في طريقة تعامل النيابة والمحاكم الإسرائيلية مع قضايا الفلسطينيين، مشيرًا إلى تشدد في قرارات الاعتقال وتمديد التوقيف، وحضور أكبر للاعتبارات الأمنية في تفسير بعض العبارات والمواقف.
ويشير زبارقة، في حوار خاص لـ””، إلى أن الملاحقات طالت منشورات ومواقف مرتبطة بالحرب على غزة والوالمسجد الأقصى، فضلًا عن قضايا شملت نساءً وشبابًا وأطفالًا، معتبرًا أن بعض التعبيرات التي كانت تُقرأ سابقًا ضمن مساحة أوسع من التعبير السياسي والاجتماعي باتت تُقرأ في سياق أمني.
في هذا الحوار الذي أجرته مارية محاجنة، يتناول زبارقة أثر الحرب على عمل النيابة والمحاكم، وحدود التعبير السياسي في ظل الملاحقات المرتبطة بما تصفه السلطات الإسرائيلية بـ”التحريض” و”دعم الإرهاب”، والفروقات في التعامل مع الفلسطينيين في الداخل والوالضفة الغربية، وما يعنيه ذلك للفلسطينيين في تعاملهم مع المنظومة القانونية في المرحلة الحالية.
س: بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، ما أبرز التغيّرات التي لاحظتها في تعامل المحاكم والنيابة الإسرائيلية مع الملفات التي يكون المتهمون فيها فلسطينيين؟
من خلال متابعتنا لعدد كبير من القضايا منذ اندلاع الحرب، لاحظت تغيرًا في طريقة تعاطي الجهاز القضائي والنيابة مع الملفات التي يكون أحد أطرافها فلسطينيًا عربيًا.
ظهر ذلك، من بين أمور أخرى، في تشدد بعض القضاة في التعامل مع المتهمين والمحامين، وفي قرارات تمديد التوقيف والاعتقال، إلى جانب اعتماد قراءة أمنية لبعض الأقوال والتعبيرات، خصوصًا تلك المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي بعض الملفات، بدا أن الرواية الفلسطينية تُقرأ من خلال أدوات قانونية وأمنية إسرائيلية، مثل الاعتقال ولوائح الاتهام والمحاكمات، بدلًا من قراءة التعبيرات في سياقها المدني أو الاجتماعي. وهذه خلاصة تقييمية أطرحها استنادًا إلى القضايا التي تابعتها.
كما لاحظنا في بعض الملفات تشددًا في التعامل مع المتهمين العرب ومحاميهم، إلى جانب تشدد في إجراءات الاعتقال والتوقيف، وقراءة أمنية لمضامين المنشورات والمواقف.
وتابعنا أيضًا شكاوى تتعلق بالعنف أو الضرب أو الإهانة داخل مراكز الاحتجاز أو أثناء الإجراءات القضائية. وهذه الشكاوى تحتاج، بطبيعة الحال، إلى فحص كل حالة على حدة، لكن التعامل معها وعدم الاستجابة لها، إذا ثبتت، يثيران أسئلة جدية حول ضمانات الحقوق والعدالة في ظل الأجواء التي فرضتها الحرب.
س: كيف انعكست أجواء الحرب على عمل النيابة في قضايا التعبير عن الرأي والاحتجاج والنشاط السياسي؟
في عدد من الملفات التي تابعناها، أصبحت مواقف مساندة للحق الفلسطيني أو منتقدة لما يجري في غزة والضفة والسببًا للتحقيق أو الاعتقال أو تمديد التوقيف، كما طالت الملاحقات أشخاصًا في أماكن عملهم بسبب منشورات أو مواقف.
ومن خلال هذه الملفات، لاحظت حضورًا أكبر للاعتبارات السياسية والأمنية في التعامل مع بعض قضايا التعبير، وأصبح تقديم لوائح اتهام بحق بعض الشباب جزءًا من صراع أوسع على الوعي والرواية.
وهذا توصيف من واقع متابعتي كمحامٍ، ولا يعني أن كل تحقيق أو لائحة اتهام تثبت ارتكاب مخالفة. فالنيابة، بحسب ما تعلنه عادة في مثل هذه القضايا، تستند إلى مضمون المنشورات والأدلة المتوافرة واعتبارات تتعلق بالأمن العام.
س: في قضايا “التحريض” و”دعم الإرهاب”، أين ترى الحد الفاصل بين التعبير السياسي وبين الفعل الذي يمكن أن يترتب عليه تجريم؟
المشكلة التي نواجهها أن الحدود بين التعبير السياسي والإنساني وبين ما يُفسَّر باعتباره مخالفة أصبحت، في بعض الملفات، موضع خلاف واسع، خصوصًا عندما تُقرأ العبارات من زاوية أمنية.
تابعنا اعتقالات وتمديدات توقيف وملفات اتهام على خلفية منشورات أو حالات على واتساب، وأحيانًا بسبب عبارات دينية مثل “حسبنا الله ونعم الوكيل”، أو بسبب انتقاد قصف المستشفيات وقتل الأطفال والنساء في غزة.
كما طالت الملاحقات نساءً وشبابًا وأطفالًا، وفي بعض الحالات جرت الاعتقالات داخل المنازل وصُوّرت ونُشرت، وهو ما يترك أثرًا على الأفراد وعائلاتهم ويخلق حالة من الخوف.
وظهرت أيضًا قضايا مرتبطة بالوالمسجد الأقصى، شملت التحقيق أو المنع من الدخول بسبب منشورات أو مواقف تضامنية.
وفي هذه الملفات تحديدًا، أعتقد أن السؤال الأساسي هو كيف نضمن أن يُقرأ التعبير ضمن سياقه الكامل، وألا تتحول القراءة الأمنية للكلمات إلى وسيلة لتوسيع دائرة التجريم.
وفي المقابل، فإن النيابة والمحاكم قد تعتبر أن بعض الملاحقات تستند إلى مضمون محدد أو إلى شبهة دعم منظمة أو التحريض على العنف، ولذلك يجب النظر إلى كل ملف وفق وقائعه وأدلته.
س: إلى أي حد تؤثر الظروف السياسية والأمنية المحيطة بالحرب في تفسير القضاة للملفات وفي قراراتهم؟
أرى أن الظروف السياسية والأمنية المحيطة بالحرب أثرت في تفسير بعض القضايا والقرارات الصادرة فيها. ففي عدد من الملفات، جرى التعامل مع المشاعر والمواقف تجاه غزة والوالضفة ضمن سياق أمني، بدل قراءتها باعتبارها تعبيرًا سياسيًا أو إنسانيًا.
وظهر ما أسمّيه “القاموس الأمني” في تفسير المفردات العربية، إذ قد تُفهم الكلمة بصورة مختلفة بحسب السياق الذي توضع فيه. وهذا يخلق لدى الناس حالة من الحذر، ويجعل كثيرين يفكرون أكثر من مرة قبل أن يكتبوا أو ينشروا.
س: هل تستطيع ذكر أمثلة عملية على هذا التغيّر في قرارات الاعتقال أو لوائح الاتهام أو الملاحقات؟
تابعنا قضايا لأشخاص اعتُقلوا بسبب منشورات أو حالات على مواقع التواصل وواتساب، وأحيانًا بسبب أحاديث بين الشباب خلال جلسات خاصة. كما تابعنا اعتقال نساء داخل منازلهن، وما رافق ذلك من أثر على عائلاتهن، خصوصًا عندما تُصوَّر عمليات الاعتقال وتُنشر.
وشملت الملفات التي تابعناها عبارات دينية، وانتقادات لقصف المستشفيات وقتل المدنيين في غزة، إضافة إلى قضايا مرتبطة بالوالمسجد الأقصى.
ولاحظنا كذلك انخفاضًا في السقف الذي يمكن أن يؤدي إلى الاعتقال أو الملاحقة، إلى جانب استخدام الاعتقال الإداري ضد فلسطينيين من الداخل، وإن كان ذلك أقل انتشارًا مقارنة بالضفة الغربية.
س: هل تلاحظ فروقًا في تعامل المنظومة القضائية مع الفلسطينيين المواطنين في الداخل، مقارنة بالفلسطينيين في الوالضفة الغربية؟
الفلسطينيون في الداخل يُعرَّفون قانونيًا بأنهم مواطنون يحملون الجنسية الإسرائيلية، وهذا يمنحهم بعض الضمانات القانونية، لكن ذلك لم يمنع، في بعض الملفات، التعامل معهم بأقسى درجات الأحكام، ولم يسعفهم كونهم مواطنين. وعلى العكس، ارتفعت نسبة الاعتقال الإداري بحقهم في الآونة الأخيرة، وإن كانت أقل مما يحدث في الضفة الغربية.
إلى جانب ذلك، استمرت الملاحقة بسبب منشورات أو نقاشات كانت تُقرأ سابقًا ضمن مساحة أوسع من التعبير السياسي والاجتماعي.
مع ذلك، لا أقول إن المنظومات متطابقة، فهي ليست كذلك من الناحية القانونية، وإنما أتحدث عن تقارب لاحظناه في بعض الأدوات وفي الطريقة التي تُقرأ بها بعض المواقف والتعبيرات الفلسطينية.
س: ما الذي ينبغي أن يعرفه الفلسطينيون اليوم عن التعامل مع هذه المنظومة في ظل الواقع الحالي؟
من المهم أن يعرف الفلسطينيون حقوقهم القانونية، وأن يستعينوا بمحامين عند الحاجة، وألا يستهينوا بأي استدعاء أو تحقيق أو إجراء أمني. ويحتاج الشباب، على وجه الخصوص، إلى معرفة حقوقهم والتعامل مع الإجراءات القانونية بوعي، من دون أن يتحول الخوف من الملاحقة إلى صمت كامل أو انكفاء عن التعبير عن المشاعر والمواقف.
وأدعو الشباب إلى القيام بدورهم في حماية الوعي الفلسطيني. فالسياسات القمعية، كما أرى، لم تنجح في طمس هوية الشعوب وإرادتها، ولن تنجح في كسر إرادة الشعب الفلسطيني، الذي يمتلك رصيدًا علميًا وثقافيًا وحضاريًا، إلى جانب رصيد من التماسك الديني والوطني، يمنحه قدرة على مواجهة محاولات كيّ الوعي.
علينا أن نحمي وعينا وألا نسمح للخوف بأن يتحول إلى انكفاء. فاللغة العربية ثرية جدًا، ولدينا قدرة واسعة على التعبير عن مشاعرنا ومواقفنا وما يجول في خواطرنا.
المطلوب ليس الصمت، وإنما الوعي؛ أن يعرف الإنسان حقوقه، ويفهم حدود القانون والإجراءات التي يمكن أن تواجهه، وفي الوقت نفسه ألا يتخلى عن قدرته على التعبير عن موقفه.
