
تتسع دائرة الضغوط الدولية على إسرائيل على خلفية سياساتها في الأراضي الفلسطينية والحرب على قطاع غزة، ولم تعد الانتقادات تقتصر على البيانات والمواقف السياسية، بل امتدت إلى قرارات أممية وإجراءات تتعلق بالمستوطنات، فضلًا عن خطوات اتخذتها دول وهيئات في مجالات اقتصادية وثقافية.
وتعكس كتابات إسرائيلية حالة من القلق المتزايد إزاء هذا المسار، إذ رأى ديفيد بن بيست، الرئيس التنفيذي لإذاعة “100 إف إم” ورئيس جمعية الاتصالات اللاسلكية، أن المؤسسات الدولية تتعامل مع إسرائيل بصورة مختلفة عن دول أخرى، منتقدًا ما وصفه بتوسع الإجراءات الدولية المرتبطة بالشركات العاملة في المستوطنات.
وأشار بن بيست، في مقال نشرته صحيفة “معاريف”، إلى القائمة الأممية التي تضم شركات مرتبطة بأنشطة في المستوطنات، معتبرًا أن إدراج الشركات في مثل هذه القوائم قد يفتح الباب أمام المقاطعة والضغط الاقتصادي عليها.
ويأتي ذلك في سياق أممي شهد خلال السنوات الأخيرة قرارات ومواقف متزايدة بشأن الاحتلال والاستيطان. ففي سبتمبر/أيلول 2024، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارًا بأغلبية 124 دولة مقابل 14، مع امتناع 43 دولة، طالب إسرائيل بإنهاء وجودها غير القانوني في الأراضي الفلسطينية المحتلة خلال مدة لا تتجاوز 12 شهرًا، إلى جانب وقف الأنشطة الاستيطانية وإخلاء المستوطنين وإعادة الأراضي المصادرة.
ويستند القرار إلى الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر في يوليو/تموز 2024، والذي خلص إلى أن استمرار وجود إسرائيل في الأراضي الفلسطينية المحتلة غير قانوني، ودعا إلى إنهائه بأسرع ما يمكن.
ويرى بن بيست أن هذا المسار يعيد إلى الذاكرة الإسرائيلية محطات سابقة في العلاقة مع الأمم المتحدة، من بينها قرار الجمعية العامة رقم 3379 لعام 1975، الذي اعتبر الصهيونية شكلًا من أشكال العنصرية قبل إلغائه عام 1991.
ولم تتوقف مظاهر الخلاف عند المؤسسات الأممية، إذ ظهر الاستياء الدولي من سياسات الحكومة الإسرائيلية أيضًا في المحافل السياسية. وخلال خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر/أيلول 2026، غادر عشرات المندوبين القاعة احتجاجًا على كلمته، في مشهد عكس حجم التوتر المحيط بالموقف الإسرائيلي داخل المنظمة الدولية.
كما امتدت الخلافات إلى أوروبا. ففي المجال الثقافي، قاطعت إيرلندا وإسبانيا وسلوفينيا وهولندا وآيسلندا مسابقة يوروفيجن 2026 احتجاجًا على مشاركة إسرائيل، فيما أعلنت إيرلندا لاحقًا أنها لن تشارك في نسخة 2027 أيضًا.
وفي الجانب الاقتصادي، اتخذت دول أوروبية إجراءات مرتبطة بمنتجات المستوطنات والأنشطة الاقتصادية فيها. وبرزت هولندا بصورة خاصة في هذا السياق، فيما ردت إسرائيل في سبتمبر/أيلول 2026 بسحب الوضع الدبلوماسي من دبلوماسيين هولنديين في رام الله، على خلفية العقوبات الهولندية المتعلقة بالمستوطنات.
ويستخدم بن بيست في مقاله هذه التطورات للدلالة على ما يراه تصاعدًا في استهداف إسرائيل سياسيًا واقتصاديًا وثقافيًا، منتقدًا في الوقت ذاته مواقف عدد من الدول الأوروبية، ومستحضرًا ملفات تاريخية تتعلق بإسبانيا وبريطانيا وغيرها.
وبغض النظر عن تقييم الكاتب لهذه المواقف، فإن سلسلة القرارات الأممية والإجراءات الأوروبية والمقاطعات الثقافية خلال الفترة الأخيرة تظهر أن الخلاف بشأن إسرائيل وسياساتها في الأراضي الفلسطينية لم يعد محصورًا في نطاق البيانات الدبلوماسية، بل أصبح حاضرًا في ساحات متعددة، من المؤسسات الدولية والاقتصاد إلى الثقافة والعلاقات الثنائية.
