
خاص- في سجون الاحتلال، لم يكن الجوع وحده ما يواجهه الأسرى خلال الحرب، بل فرض عليهم واقعًا جديدًا دفعهم إلى ابتكار طرق للتكيف مع شح الطعام وسياسات التجويع. ومن بين تلك الطرق، نشأت ظاهرة غريبة لم تكن مألوفة من قبل، تمثلت في مقايضة الطعام بين الأسرى، قبل أن تتحول تدريجيًا إلى ما يشبه سوقًا له أسعاره وقواعده، وانتقلت من غرفة إلى أخرى حتى شملت أقسامًا كاملة في سجون مختلفة.
لم يحتج هذا السوق إلى اتفاق بين الأسرى أو قرار من قيادات الحركة الأسيرة؛ فقد ولد من الحاجة نفسها. وعلى الرغم من ظهوره بصورة منفصلة في السجون، فإن تفاصيله بدت متشابهة إلى حد كبير، حتى كادت أسعار المقايضة تكون واحدة. في سجني نفحة وريمون، كان الأسير يحصل على 12 شريحة خبز يوميًا، فأصبحت الشرائح بمثابة عملة داخل الأقسام، تُدفع مقابل ما يحتاجه الأسير من أصناف الطعام.
كانت البيضة المسلوقة تساوي شريحتين من الخبز، وقطعة الحبش ثلاث شرائح، والحمص ثلاثًا، وإصبع النقانق شريحتين، فيما تساوي خمس ملاعق من المربى خمس شرائح. ولم تكن المقايضة مرتبطة بسعر ثابت لكل صنف فقط، بل امتدت إلى تبادل الأطعمة نفسها؛ فالأسير الذي لا يأكل الحبش أو النقانق كان يستطيع استبدالهما بالبيض أو الحمص أو المربى، في محاولة لإدارة حصته المحدودة بما يتناسب مع حاجته.
ومع اتساع الظاهرة، ظهر داخل الأقسام أسرى تولوا تحديد أسعار الأصناف وتنظيم عمليات المقايضة، وأصبحوا يُعرفون بـ”تجار السوق”. كانوا ينادون بعضهم عبر النوافذ والأبواب، ويتفقون على المواد والأسعار، وأحيانًا تستمر تلك المناداة لساعات طويلة خلال النهار والليل، الأمر الذي أثار توترات بين الأسرى، خصوصًا أن السجون كانت مغلقة معظم الوقت، ولم يكن مسموحًا لهم بالخروج إلى الفورة.
وكان معظم “تجار السوق” من فئة قليلة في كل قسم، وغالبيتهم من الأسرى الجدد الذين لم يخوضوا تجارب الإضراب عن الطعام ولم يراكموا الخبرة التي عرفتها الحركة الأسيرة في مواجهة سياسات السجون. وبعضهم لم يكن ينظر إلى المقايضة باعتبارها وسيلة لمواجهة الجوع فحسب، بل وجد فيها وسيلة للتسلية وإضاعة الوقت في ظل الاحتجاز الطويل داخل الغرف.
في المقابل، انقسمت قيادات الحركة الأسيرة، التي كانت تعمل بصورة سرية، بين من رأى ضرورة مواجهة هذه الظاهرة، ومن اعتبرها أمرًا طبيعيًا فرضته الظروف الصعبة والفوضى التي شهدتها السجون بعد تفكيك الحركة الأسيرة ومنعها من التحرك وممارسة نشاطها. وكان أكثر ما يثير الاعتراض الأصوات المرتفعة والمناداة المستمرة بين “التجار”، وما رافقها من انشغال الأسرى بتفاصيل السوق على حساب ما اعتادوه من أدوار داخل الحياة الاعتقالية.
كنت شخصيًا من المعترضين على هذه الظاهرة، وخضت عشرات الجدالات مع “التجار”، وأحيانًا تحولت النقاشات إلى مشادات، محاولًا إقناعهم بالتوقف عن المقايضة والمناداة. كنت أرى أنه لا يليق بالمناضل أن ينشغل بهذا الشكل، وأن علينا احتمال الجوع والتحلي بالصبر، لكن معظم تلك الجدالات كانت تذهب أدراج الرياح، ولم يكن من السهل إقناع من وجد في السوق وسيلة للتعامل مع واقع لم يعد يحتمل.
وفي إحدى الليالي، وأثناء انعقاد “اجتماع تجاري” عبر الأبواب، بهدف تنشيط السوق وتحديد الأسعار، ثار غضبي من الأصوات المرتفعة والمناداة، فوجدت نفسي أقف على الباب صارخًا في وجه هؤلاء “التجار”، وموبخًا إياهم على هذا السلوك الذي رأيته منافيًا لأعرافنا الوطنية. لم يعلّق أحد منهم، وسرعان ما انفضّ السوق، لكن ما قيل في تلك الليلة وصل، على ما يبدو، إلى إدارة السجن.
في اليوم التالي، أقدمت إدارة سجن ريمون على نقلي إلى سجن نفحة، وهناك وجدت الظاهرة نفسها، ولكن على نطاق أوسع. ومع استمرارها، ولدت منها عادة أخرى تمثلت في تخزين الطعام والخبز حتى يوم السبت؛ إذ كان بعض الأسرى يقتصدون في حصصهم خلال الأيام السابقة، ويحتفظون بما يستطيعون من الطعام، انتظارًا لوجبة السبت التي كانت أكثر تنوعًا من بقية الأيام.
في ذلك اليوم، يحصل الأسير على بيضة مسلوقة، وقطعة شنيتسل، ونصف حبة بطاطا مسلوقة، وأربع أو خمس ملاعق من التونة، ونصف كأس بلاستيكي من الطحينة، وحوالي عشر حبات من الزيتون. ومع الوقت، أخذ الأسرى يشترون البيض والحمص والنقانق والطحينة وأصنافًا أخرى، ويخزنونها حتى السبت، فيما كان بعضهم يحتفظ بما بين 20 و40 شريحة من الخبز، حتى يتمكن من إعداد وجبة أكثر إشباعًا بعد أيام من الاقتصاد في الطعام.
وفي مساء السبت، تبدأ التحضيرات لهذه الوجبة، فيُخلط البيض مع التونة والبطاطا والطحينة والحمص، ويعدّها الأسرى بعد عدّ المساء، فيما كان بعضهم يتفنن في إعدادها. كانت تلك الوجبة، ببساطة مكوناتها، تحمل قيمة أكبر من حجمها؛ فهي حصيلة أيام من الانتظار والتوفير والمقايضة، ومحاولة لصنع مساحة صغيرة من الشبع داخل واقع فرض على الأسرى أن يحسبوا قيمة كل شريحة خبز وكل لقمة.
لكن إدارة السجن بدأت تلاحق هذه العادة أيضًا. فخلال المداهمات والتفتيش، كانت تصادر كميات الخبز والبيض والحمص التي يجدها الجنود داخل الغرف، وتعاقب الغرف التي يُعثر فيها على هذه المواد. وبررت الإدارة مصادرة الخبز بالقول إن تكدسه يؤدي إلى انتشار “الأسكابيوس”، فيما قالت إن البيض والحمص قد يفسدان في حر الصيف ويؤثران على صحة الأسرى.
وبين هذه الذرائع، كان الأسرى يعيشون واقعًا مختلفًا؛ غرف مكتظة، ومواد تنظيف محدودة، ومنع من غسل الملابس والخروج إلى الفورة، ثم طعام شحيح يُطلب منهم أن يدبّروا به أيامهم. لذلك لم تكن قصة الخبز والبيض والحمص مجرد تفاصيل صغيرة داخل السجن، بل كانت جزءًا من معركة يومية مع الجوع، حاول الأسرى خلالها أن يجعلوا من القليل المتاح ما يكفيهم ليوم آخر.
هكذا تحولت شرائح الخبز إلى عملة، وأصبحت البيضة سلعة لها سعر، وصار للحمص والتونة والمربى قيمة تُحسب بالشرائح. وبينما رأى بعض الأسرى في “السوق” ظاهرة أساءت إلى الحياة الاعتقالية وأشغلتهم عن دورهم، وجد آخرون فيها وسيلة فرضتها الحاجة للتعامل مع الجوع. وفي الحالتين، بقيت الظاهرة ابنة ظروفها؛ فحين ضاقت الحصة، بدأ الأسير يحسب ما يملك، وما يستطيع أن يقايضه، وما يمكن أن يحتفظ به حتى السبت.
ولم يكن في الأمر ترف ولا وفرة؛ كان هناك أسير يحاول أن يصنع لنفسه وجبة من القليل الذي بقي في يده. شريحة خبز تُؤجل، وبيضة تُقايض، وملعقة حمص تُحفظ، حتى يأتي يوم السبت. وفي سجون فرض فيها الجوع نفسه على تفاصيل الحياة، صار الطعام أكثر من مجرد وجبة؛ صار حسابًا يوميًا للبقاء.
