
في التاريخ العسكري، لا تكون المفاجأة دائمًا نتيجة غياب المعلومات، بل قد تقع رغم توافرها. فقد تمتلك أجهزة الاستخبارات تقارير وتحذيرات ومؤشرات عن نوايا الخصم، لكنها تعجز عن إدراك دلالاتها الحقيقية، بسبب تقديرات مسبقة تجعلها تستبعد سيناريوهات تبدو غير مرجحة.
وهنا تكمن المفارقة: قد لا تكون المشكلة في أن المؤسسة الأمنية لم ترَ المؤشرات، بل في أنها لم تصدّق ما كانت تراه، أو لم تربط بين المعلومات المتاحة على النحو الذي يفرض تغيير حساباتها واستعداداتها.
من هذا المنطلق، تبدو المقارنة بين حرب أكتوبر 1973 وهجوم السابع من أكتوبر 2023 على إسرائيل جديرة بالتأمل. فقد فصل بين الحدثين خمسون عامًا، ومع ذلك تبرز في الحالتين أسئلة متشابهة بشأن طريقة جمع المعلومات، وتفسيرها، وتقدير نوايا الخصم، وتحويل التحذيرات إلى استعداد فعلي.
أولًا: حرب أكتوبر 1973.. معلومات موجودة وتحذيرات لم تتحول إلى إنذار فعّال
في السادس من أكتوبر 1973، شنّت مصر وسوريا هجومًا متزامنًا على القوات الإسرائيلية في سيناء والجولان، لتبدأ حرب أحدثت صدمة عسكرية واستخباراتية في إسرائيل.
لكن المفاجأة لم تكن نتيجة غياب المؤشرات بالكامل. فقد رصدت أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية تحركات عسكرية مصرية وسورية، وتوافرت لديها معلومات من مصادر بشرية وفنية، إلى جانب تحذيرات سبقت اندلاع الحرب.
ومن أبرز الوقائع التي استُحضرت لاحقًا في مراجعة الإخفاق الإسرائيلي، اللقاء السري الذي جمع الملك حسين برئيسة الوزراء الإسرائيلية غولدا مائير في سبتمبر 1973، والتحذير الذي نقله الجاسوس المصري أشرف مروان إلى رئيس الموساد تسفي زامير عشية الحرب. ومع أهمية هذين المثالين، فإن طبيعة المعلومات التي نقلاها وتوقيتها وكيفية تفسيرها تحتاج إلى التمييز بين ما كان معروفًا قبل الحرب وما اتضح بعد وقوعها.
المشكلة الأساسية تمثلت في ما عُرف لاحقًا باسم “المفهوم”وهو إطار من الافتراضات الاستخباراتية جعل القيادة الإسرائيلية تستبعد اندلاع حرب شاملة ما لم تتحقق شروط معينة.
كان التقدير السائد أن مصر لن تبدأ الحرب قبل امتلاك قدرات عسكرية تسمح لها بمواجهة التفوق الجوي الإسرائيلي، وأن سوريا لن تخوض حربًا واسعة بمفردها في ظروف غير مواتية. ونتيجة لذلك، أمكن تفسير بعض التحركات العسكرية بوصفها تدريبات أو ضغوطًا سياسية، بدلًا من اعتبارها استعدادًا لهجوم وشيك.
وهكذا، تحولت الفرضيات السابقة إلى عدسة تُقرأ المعلومات من خلالها، بدلًا من أن تكون المعلومات الجديدة سببًا في مراجعة تلك الفرضيات.
لم يكن المطلوب أن تتنبأ الاستخبارات بكل تفاصيل الحرب مسبقًا، بل أن تدرك أن احتمال وقوعها أصبح جديًا بما يكفي لاتخاذ احتياطات تتناسب مع حجم الخطر.
وقد دفعت إسرائيل ثمن هذا الإخفاق في الساعات الأولى للحرب، ثم جاءت لجنة أغرانات للتحقيق في المسؤوليات والإخفاقات، وأعقبتها تداعيات سياسية وعسكرية، من بينها استقالة رئيسة الوزراء غولدا مائير ورئيس هيئة الأركان دافيد إليعازر.
كان الدرس واضحًا: امتلاك المعلومات لا يكفي إذا كانت التقديرات السائدة تمنع المؤسسة من إدراك معناها.
ثانيًا: السابع من أكتوبر 2023.. عندما عادت الأسئلة نفسها
بعد خمسين عامًا، واجهت إسرائيل مفاجأة أمنية وعسكرية كبرى عندما شنّت حماس هجومًا واسعًا انطلاقًا من قطاع غزة في السابع من أكتوبر 2023.
ومرة أخرى، لم تكن المعلومات السابقة غائبة تمامًا.
فقد كشفت تقارير وتحقيقات إسرائيلية أن المؤسسة الأمنية كانت تمتلك معلومات عن خطة حماس المعروفة باسم “جدار أريحا”، وهي خطة تضمنت تصورًا لهجوم واسع على مواقع عسكرية وبلدات إسرائيلية. وكانت معلومات عن الخطة متاحة قبل الهجوم بسنوات، لكن تقديرات المؤسسة الأمنية لم تتعامل معها باعتبارها سيناريو واقعيًا يستوجب الاستعداد الجدي لاحتمال تنفيذه.
كما سبقت الهجوم مؤشرات وتحذيرات أخرى، ظهرت خلال الأشهر السابقة وفي الساعات التي سبقت الهجوم مباشرة. وأثارت هذه المعطيات أسئلة جوهرية بشأن كيفية تقييم المعلومات، وربط المؤشرات بعضها ببعض، وتقدير نوايا حماس وقدراتها.
كان أحد الافتراضات المحورية أن حماس تفضّل الحفاظ على الهدوء النسبي في غزة، وأنها معنية باستمرار الترتيبات الاقتصادية والتسهيلات المرتبطة بالقطاع، ولا ترغب في الدخول في مواجهة شاملة في ذلك التوقيت.
وساهم هذا التقدير في التقليل من احتمال أن تقدم الحركة على هجوم واسع، وفي التشكيك في قدرتها على تنفيذ عملية بهذا الحجم والتنسيق.
لكن ما وقع في السابع من أكتوبر كشف أن استمرار الهدوء النسبي لا يعني بالضرورة التخلي عن الاستعداد للمواجهة، وأن السلوك الظاهر للخصم لا يكفي وحده لاستنتاج نواياه الفعلية.
وتعززت هذه الصورة مع نشر نتائج تحقيقات داخلية إسرائيلية تناولت إخفاقات الاستخبارات والجيش في فهم التهديد والاستعداد له. كما خلصت مراجعات أمنية إلى أن خطة “جدار أريحا”لم تُعامل بالجدية التي تقتضيها طبيعة السيناريو الذي وصفته.
غير أن وجود خطة معروفة لا يعني تلقائيًا معرفة موعد تنفيذها، أو التأكد من أن الخصم قرر الانتقال من التخطيط إلى التنفيذ. وهنا تحديدًا تكمن إحدى أعقد مشكلات العمل الاستخباراتي: كيف تميّز المؤسسة بين خطة احتياطية، أو تصور نظري، أو تهديد بعيد، وبين خطة يجري التحضير لتنفيذها بالفعل؟
ثالثًا: ماذا عن التحذيرات المصرية والإقليمية؟
أثارت روايات وتقارير متداولة بعد الهجوم جدلًا واسعًا بشأن احتمال وصول تحذيرات من مصر وجهات إقليمية أخرى إلى إسرائيل قبل السابع من أكتوبر.
وتضمنت بعض الروايات حديثًا عن تحذير مصري من تصعيد وشيك في غزة، كما نُقلت تصريحات منسوبة إلى مسؤولين وشخصيات فلسطينية بشأن اتصالات وتحذيرات سبقت الهجوم.
لكن التعامل مع هذه الروايات يتطلب التمييز بين ثلاثة أمور: وجود اتصال أو تحذير بالفعل، ومضمون التحذير وتوقيته، وكيفية تعامل القيادة الإسرائيلية معه.
فليس كل تحذير من تصعيد عسكري دليلًا على معرفة موعد هجوم محدد، كما أن إثبات وصول رسالة لا يثبت وحده أن متلقيها أدرك دلالتها أو امتلك معلومات كافية لتحديد طبيعة الخطر ومكانه وزمانه
وتزداد أهمية هذا التمييز لأن السؤال لا يتعلق بمجرد وصول معلومات، بل بمدى وضوحها، ومدى دقتها، وما إذا كانت تتضمن إشارات إلى هجوم واسع وشيك، أم إلى احتمال عام للتصعيد.
إن وجود تحذيرات لا يعفي من التحقيق في كيفية التعامل معها، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن القيادة كانت تعرف تفاصيل الهجوم مسبقًا.
رابعًا: كيف نجحت حماس في تضليل التقديرات الإسرائيلية؟
لا يمكن فهم الإخفاق الإسرائيلي في السابع من أكتوبر من دون النظر إلى التناقض بين ما كانت المؤسسة الأمنية تعتقده بشأن سلوك حماس، وما كانت الحركة تستعد له فعليًا.
ففي السنوات التي سبقت الهجوم، صدرت عن حماس إشارات سياسية وإعلامية توحي أحيانًا بالرغبة في التهدئة، أو تخفيف الحصار، أو التوصل إلى تفاهمات بشأن الأوضاع الاقتصادية والإنسانية في غزة. وفي الوقت نفسه، استمرت الحركة في تطوير قدراتها العسكرية، وظهرت في خطابها العام إشارات أخرى إلى احتمالات التصعيد والمواجهة.
وقد يكون هذا التباين جزءًا من استراتيجية خداع تهدف إلى إبقاء الخصم بعيدًا عن التقدير الصحيح للنوايا والقدرات. لكنه قد يعكس أيضًا تعدد الرسائل السياسية والإعلامية، أو اختلاف الأهداف بين التهدئة المرحلية والاستعداد لمواجهة مستقبلية
ومن الأمثلة التي تستحق الدراسة خطاب حماس في مناسباتها الجماهيرية. فقد حمل الاحتفال بذكرى انطلاقة الحركة عام 2022 شعار “آتون بطوفان هادر”، قبل نحو عام من هجوم السابع من أكتوبر، وهو ما يلفت الانتباه عند قراءته في ضوء الأحداث اللاحقة.
فقد تُقرأ التصريحات التصعيدية بوصفها خطابًا تعبويًا أو وسيلة للضغط في المفاوضات، بينما تُفسَّر الدعوات إلى التهدئة على أنها دليل على الرغبة في تجنب الحرب. وإذا تمسكت المؤسسة الأمنية بتفسير واحد، فقد تفشل في إدراك أن الخطابين يمكن أن يتعايشا ضمن استراتيجية واحدة.
وهنا تكمن إحدى المفارقات الأساسية: قد تكون الرسائل التحذيرية موجودة أمام أجهزة الاستخبارات، لكن المؤسسة لا تتعامل معها بوصفها مؤشرات على تغيير محتمل في سلوك الخصم، لأنها ترى أن السلوك السابق أو المصالح المتوقعة تمنع حدوث ذلك التغيير.
وبذلك لا يكون الخداع الاستراتيجي مجرد إخفاء للخطة، بل قد يستفيد أيضًا من استعداد الطرف الآخر لتصديق الصورة التي يريد رؤيتها.
وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف المحتملة في التقدير الإسرائيلي: ربما جرى تفسير إشارات حماس ضمن إطار ينسجم مع الاعتقاد بأنها تفضّل استمرار التهدئة، بينما لم تحظَ المؤشرات المخالفة بالوزن الكافي.
خامسًا: أوجه التشابه بين عامي 1973 و2023
على الرغم من الاختلاف الكبير بين حرب أكتوبر وهجوم السابع من أكتوبر، يمكن رصد أربعة أوجه مشتركة تستحق الدراسة.
1. سيطرة التصورات المسبقة على قراءة المعلومات
في عام 1973، استبعدت التقديرات السائدة الحرب قبل تحقق شروط معينة. وفي عام 2023، ساهم الاعتقاد بأن حماس تفضّل الهدوء ولا تريد مواجهة شاملة في التقليل من احتمال الهجوم.
في الحالتين، برز خطر أن تتحول الفرضية السائدة من تفسير مؤقت للواقع إلى قيد يمنع رؤية الاحتمالات الأخرى.
2. الخلط بين جمع المعلومات وفهمها
قد تمتلك المؤسسة الأمنية تقارير كثيرة، لكنها تفشل في تركيبها ضمن صورة متكاملة. وقد تصل المعلومات إلى الجهات المختصة من دون أن تتحول إلى تحذير واضح أو قرار عملي.
فالمعلومة لا تحقق قيمتها بمجرد جمعها، بل عندما تُحلل في سياقها، وتُقارن بالفرضيات البديلة، وتصل إلى المسؤولين القادرين على اتخاذ القرار.
3. التقليل من قدرة الخصم على تغيير قواعد المواجهة
لم تنسجم الاستعدادات المصرية والسورية عام 1973 مع التصورات الإسرائيلية عن شروط الحرب واحتمالاتها. وبالمثل، لم ينسجم حجم هجوم السابع من أكتوبر مع التقديرات الإسرائيلية السائدة بشأن قدرات حماس واستعدادها للمواجهة.
ويكشف ذلك خطورة افتراض أن الخصم سيتصرف وفق المنطق الذي تتوقعه المؤسسة الأمنية، لا وفق حساباته الخاصة.
4. الفجوة بين التحذير والاستجابة
لا يكفي أن تدرك الاستخبارات أن الخطر ممكن؛ بل يجب أن تحدد مدى جديته، وأن توضح مستوى عدم اليقين، وأن توصي بإجراءات احترازية تتناسب مع العواقب المحتملة.
فالتحذير لا يشترط اليقين الكامل حتى يكون ذا قيمة. وإذا كان ثمن تجاهل سيناريو ما بالغ الارتفاع، فقد يكون من الضروري الاستعداد له حتى لو ظل احتمال وقوعه موضع خلاف.
سادسًا: هل كانت إسرائيل تعرف موعد هجوم السابع من أكتوبر؟
هذا هو السؤال الأكثر حساسية، والأكثر عرضة للخلط بين الوقائع والاستنتاجات.
ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات مختلفة من المعرفة:
• معرفة الخطة: أن تمتلك الأجهزة معلومات عن تصور لهجوم محتمل.
• تقدير قرب التنفيذ: أن تدرك وجود مؤشرات على أن الخطة قد تتحول إلى عملية وشيكة.
• المعرفة المؤكدة بالتوقيت والتفاصيل: أن تمتلك معلومات دقيقة عن موعد الهجوم وحجمه وأهدافه، وأن تعرف أن التنفيذ أصبح وشيكًا.
الأدلة والتقارير المنشورة بشأن «جدار أريحا» والتحذيرات السابقة للهجوم تدعم وجود معلومات مهمة لم تُترجم إلى تقدير واستعداد كافيين. لكنها لا تعني، بمفردها، أن القيادة الإسرائيلية كانت تعرف على وجه اليقين موعد الهجوم وتفاصيله.
أما الادعاء بأن القيادة تعمدت السماح بوقوع الهجوم، فهو ادعاء مختلف جذريًا، ويتطلب أدلة مستقلة ومباشرة على المعرفة المسبقة والقرار المتعمد، لا مجرد إثبات وجود تحذيرات أو إخفاقات استخباراتية.
إن خطورة الإخفاق لا تحتاج إلى افتراض مؤامرة حتى تصبح موضع مساءلة. فقد يكون سوء التقدير، والثقة الزائدة، وفشل التنسيق، والتأخر في اتخاذ القرار، كافيًا لتفسير جانب كبير من الكارثة الأمنية، مع بقاء مسؤوليات محددة بحاجة إلى تحقيق وأدلة.
سابعًا: هل كان الإخفاق استخباراتيًا فقط؟
في الحالتين، لا تتوقف الأسئلة عند أداء أجهزة الاستخبارات، بل تمتد إلى القيادة العسكرية والسياسية.
فالاستخبارات تجمع المعلومات وتحللها وتقدم التقديرات، لكن الاستجابة للتهديد تشمل مؤسسات متعددة، من بينها القيادات العسكرية والأجهزة الأمنية والجهات السياسية المسؤولة عن السياسات العامة.
وفي عام 1973، لم تكن المسألة مجرد إخفاق في جمع المعلومات، بل ارتبطت أيضًا بالاستعداد العسكري، وتوزيع القوات، وطريقة اتخاذ القرار.
أما في عام 2023، فقد أثارت التحقيقات أسئلة بشأن جاهزية القوات على الحدود، والاعتماد على التكنولوجيا والمراقبة، وتقييم قدرات حماس، والتنسيق بين المؤسسات، والسياسات التي سعت إلى إدارة الصراع في غزة مع الاعتقاد بإمكان احتواء التهديد.
وتطرح الحالتان سؤالًا أوسع: ماذا يحدث عندما تتحول النجاحات السابقة إلى مصدر للثقة المفرطة؟ وهل يمكن للتفوق العسكري والتكنولوجي أن يدفع المؤسسة إلى الاعتقاد بأن الخصم لن يستطيع تجاوز منظومتها الدفاعية؟
إن الاعتماد على منظومات المراقبة والإنذار لا يغني عن التفكير في السيناريوهات غير المتوقعة، كما أن التفوق العسكري لا يضمن صحة التقديرات السياسية والاستخباراتية.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تتعلق فقط بمن أخطأ في قراءة المعلومات، بل أيضًا بمن وضع السياسات على أساس تلك القراءة، وبمدى وجود آليات تسمح بمراجعة التقديرات السائدة والاعتراض عليها.
الخلاصة: التاريخ لا يكرر نفسه حرفيًا، لكنه يكشف الأخطاء نفسها
تُظهر المقارنة بين حرب أكتوبر 1973 وهجوم السابع من أكتوبر 2023 أن التفوق العسكري والتكنولوجي لا يضمنان منع المفاجآت، وأن امتلاك المعلومات لا يعني بالضرورة فهمها أو الاستعداد لما تشير إليه.
في عام 1973، امتلكت إسرائيل مؤشرات وتحذيرات لم تنجح في تحويلها إلى إنذار فعّال واستعداد كافٍ. وفي عام 2023، كشفت المعلومات المتاحة عن خطط حماس والتحقيقات اللاحقة أن المؤسسة الأمنية أخفقت في تقدير حجم التهديد واحتمال تنفيذه، رغم وجود مؤشرات كان ينبغي أن تدفع إلى مراجعة الافتراضات السائدة.
ومع ذلك، لا يجوز اعتبار الحدثين متطابقين؛ فحرب 1973 كانت مواجهة بين جيوش نظامية على جبهتين، بينما وقع هجوم 2023 في سياق مختلف، وبطبيعة عملياتية وأمنية مغايرة.
لكن الدرس المشترك يظل مهمًا: قد تكون أخطر ثغرة في منظومة الأمن ليست نقص المعلومات، بل الثقة المفرطة في تفسير واحد للواقع.
فالخصم لا يُلزم نفسه بالتصرف وفق التوقعات التي ترسمها له أجهزة الاستخبارات، والتحذير لا يفقد قيمته لمجرد أنه لا يقدم يقينًا كاملًا، والنجاحات السابقة لا تمنح المؤسسات حصانة من الأخطاء المستقبلية.
ففي كثير من الأحيان، لا تبدأ المفاجأة الحقيقية عندما يفاجئ الخصمُ المؤسسةَ الأمنية، بل عندما تصبح المؤسسة نفسها عاجزة عن تخيل أن خصمها قادر على فعل ما لم تتوقعه.
