في وقت تتسابق فيه الشركات على إعلان جداولها الزمنية للتحول الكهربائي، تقول أستون مارتن العكس بصراحة غير معتادة. فقد أجّلت العلامة البريطانية أول سيارة كهربائية لها، التي كانت مقررة لعام 2030، ووصفت نفسها بعبارة لافتة: “مؤجّلة للكهرباء”.
وقال أدريان هالمارك، الرئيس التنفيذي للشركة، في تصريحات لمجلة Autocar، إن الشركة لا تحتاج إلى سيارات كهربائية إلا للامتثال التنظيمي قبيل عام 2035 في أسواق معينة، ورفض الالتزام بتاريخ محدد. وأضاف بصيغة واضحة: “قد تكون 2035، وربما 2033، لكنها ليست 2031”.

النقطة الجوهرية: قرار امتثال لا قرار منتج
هنا ما يستحق الفهم أكثر من التاريخ نفسه.
عندما يقول الرئيس التنفيذي إن الشركة تحتاج إلى سيارة كهربائية للامتثال قبيل 2035، فهو يشير إلى موعد محدد: 2035 هو التاريخ الذي يُفترض أن يتوقف فيه بيع السيارات الجديدة بمحركات الاحتراق في الاتحاد الأوروبي.
أي أن السيارة الكهربائية من أستون مارتن، بحسب هذا المنطق، ليست استجابة لطلب من العملاء ولا قراراً تجارياً، بل متطلب تشريعي لمواصلة البيع في أسواق معينة. وهذه صراحة نادرة في الصناعة، إذ تفضّل معظم الشركات تقديم خططها الكهربائية بوصفها رؤية مستقبلية لا التزاماً قانونياً.
V8 وV12 حتى نهاية 2035
تعهّد هالمارك بوجود خطة طريق تحافظ على محركي V8 وV12 حتى نهاية 2035.
وبقاء V12 تحديداً حدث يستحق الإشارة. فهذا المحرك شبه منقرض في الصناعة: تخلّت عنه معظم الشركات لأسباب تتعلق بالانبعاثات والكلفة والتعقيد، ولم يبقَ منه إلا عدد محدود جداً من الأمثلة لدى عدد محدود من العلامات. والتزام أستون مارتن به لعقد آخر يجعلها من آخر من يحمل هذا الإرث.
لا هجين قابل للشحن: والسبب هندسي لا تسويقي
تخطط أستون مارتن لإدخال شكل من أشكال الكهربة لمساعدة محركات الاحتراق، لكن هالمارك استبعد الهجين القابل للشحن صراحةً، وعلّل ذلك بـالوزن الإضافي والتعقيد.
وهذا تعليل منطقي يستحق الشرح. فالهجين القابل للشحن يحتاج إلى بطارية كبيرة ومحركات كهربائية ومنظومة شحن، ومجموعها يضيف عادةً مئات الكيلوغرامات إلى وزن السيارة.
وفي سيارة رياضية، الوزن ليس رقماً في الكتالوج بل عامل يمسّ كل شيء: مسافة الفرملة، وسرعة تغيير الاتجاه، وإحساس التوجيه، وسلوك السيارة في المنحنيات، وعمر الإطارات والفرامل. أي أن إضافة 300 كيلوغرام لخفض استهلاك الوقود مقايضة تبدو وجيهة في سيارة عائلية وتبدو خاسرة في سيارة رياضية.
ولهذا تتجه كثير من علامات الأداء إلى أنظمة كهربة خفيفة موجّهة إلى تحسين الاستجابة وتعبئة فراغ العزم لا إلى خفض الاستهلاك.

فالهالا تبقى الاستثناء الوحيد
تبقى أستون مارتن فالهالا السيارة الوحيدة في التشكيلة بنظام هجين قابل للشحن، وستبقى كذلك. وتعتمد محرك V8 سعة 4.0 لتر بشاحنين توربو مع ثلاثة محركات كهربائية وبطارية سعة 6.1 كيلوواط ساعة.
وهنا توضيح ضروري: بطارية 6.1 كيلوواط ساعة صغيرة جداً بمعايير السيارات الهجينة القابلة للشحن، التي تتجاوز سعات بطارياتها عادةً 15 كيلوواط ساعة. والسبب أن هدف النظام في فالهالا ليس المدى الكهربائي ولا خفض الاستهلاك، بل الأداء: محركات كهربائية تمنح عزماً فورياً تملأ الفراغ قبل استجابة الشاحنين التوربو، وتوزيع عزم فعال على العجلات.
أي أن التسمية نفسها “هجين قابل للشحن” تحمل في هذه السيارة معنى مختلفاً تماماً عن معناها في سيارة عائلية. الأولى تستخدم الكهرباء للسرعة، والثانية تستخدمها للاقتصاد.
من أين ستأتي التقنية الكهربائية؟
| الشريك | الدور |
|---|---|
| لوسيد | اتفاق للوصول إلى أحدث أنظمتها |
| مرسيدس بنز | تعميق علاقة قائمة لتوفير مجموعات نقل الحركة الكهربائية والإلكترونيات مستقبلاً |
وعلاقة أستون مارتن بمرسيدس ليست جديدة، فالشركة الألمانية شريك تقني وصاحبة حصة في العلامة البريطانية منذ سنوات، وتزوّدها بمحركات V8 وبالبنية الإلكترونية في عدد من طرازاتها. أي أن تعميق هذه العلاقة امتداد لمسار قائم لا تحالف جديد.
أرقام الاستثمار: اعتراف صريح
الأرقام هي ما يؤكد أن التأجيل حقيقي لا مجرد تعديل في الجدول.
قال هالمارك إن الاستثمار الحالي في السيارة الكهربائية منخفض جداً ومحصور في البحث والدراسة، وإنه لا يبلغ حتى ملايين من خانة واحدة. وأضاف أن الاستثمار الكبير لن يبدأ إلا نحو ثلاث سنوات قبل الإطلاق.
والترجمة العملية لهذا الرقم: السيارة الكهربائية من أستون مارتن حالياً بند بحثي لا مشروع تطوير. وإن كان الإطلاق في 2035، فالإنفاق الجدي لن يبدأ قبل 2032 تقريباً. أي أن ما نسمعه اليوم ليس تأجيلاً لمشروع قائم، بل تأكيد أن المشروع لم يبدأ أصلاً.
وتذكر المصادر أن لورنس سترول، أكبر المساهمين في الشركة، لا يبدي اهتماماً بسيارة كهربائية على نحو ما فعلت فيراري بطرازها الكهربائي Luce الذي أثار جدلاً. ونكتفي بالإشارة إلى ذلك كما ورد في المصدر من دون تفصيل، إذ لم تُقدَّم تفاصيل حول المقارنة.
الصورة الأكبر: ثلاث علامات في اتجاه واحد
هذا الخبر لا يُقرأ وحده.
فخلال أسابيع قليلة، أعلنت ألفا روميو تطوير نسخ قادرة على العمل بمحركات الاحتراق من جوليا وستيلفيو القادمتين بعد أن كان المخطط أن تكونا كهربائيتين. وأعادت فولفو النظر في جدولها الزمني للتحول الكامل. والآن تؤجل أستون مارتن مشروعها الكهربائي وتتعهد ببقاء V8 وV12 عقداً آخر.
وفي الاتجاه المعاكس تماماً، توقفت جاكوار عن إنتاج محركات الاحتراق بالكامل وراهنت كل شيء على سيارة كهربائية واحدة.
والقراءة الصحيحة ليست أن التحول الكهربائي تراجع، بل أن جدوله الزمني الموحّد قد انتهى. كل علامة تعيد الحساب وفق أسواقها الأساسية وطبيعة عملائها وقدرتها على الاستثمار. والنتيجة أن تشكيلات مختلطة ستبقى قائمة سنوات أطول بكثير مما كان متوقعاً قبل عامين.

الزاوية الخليجية: هذا خبر جيد لسوقنا
أولاً، لا يوجد موعد نهائي لمحركات الاحتراق في المنطقة. موعد 2035 أوروبي ولا يسري على دول مجلس التعاون. ومعنى تعهد أستون مارتن ببقاء V8 وV12 حتى نهاية 2035 أن أحد أكثر ما يشتريه عملاؤها في المنطقة سيبقى متاحاً عقداً آخر.
ثانياً، صوت المحرك جزء من المنتج لا ملحق به. في هذه الفئة السعرية تحديداً، يشتري العميل تجربة حسية كاملة، وصوت V12 أو V8 عنصر أساسي فيها. والسيارة الخارقة في المنطقة تُقاد في الغالب لعدد محدود من الكيلومترات في مناسبات مختارة، ما يجعل استهلاك الوقود والمدى الكهربائي اعتبارين ثانويين مقارنة بالشخصية والصوت والحضور.
ثالثاً، البنية التحتية للشحن ليست العامل الحاسم في هذه الفئة. سيارة بقيمة تتجاوز مليون درهم تُقاد في نهايات الأسبوع لا تُقاس بسهولة الشحن، لكن ذلك يصبح عاملاً حين تكون السيارة الوحيدة أو الأساسية لمالكها.
رابعاً، الرابط السعودي حاضر في أكثر من موضع. فصندوق الاستثمارات العامة السعودي من بين كبار المساهمين في أستون مارتن، وهو أيضاً المالك بالأغلبية لشركة لوسيد، التي ستزوّد أستون مارتن بأحدث أنظمتها الكهربائية. أي أن طرفي هذه الصفقة التقنية يشتركان في مساهم إقليمي واحد، وهذه تفصيلة تستحق الملاحظة في أي قراءة لمستقبل العلامة.
الخلاصة
أستون مارتن قالت ما تتجنب شركات كثيرة قوله بصراحة: سيارتها الكهربائية ستصل عندما يُلزمها القانون، لا قبل ذلك. ولم تكتفِ بالتأجيل بل أرفقته بالأرقام، فالاستثمار الحالي أقل من أن يُحتسب مشروعاً.
وفي المقابل، تعهدت بما يهم عملاءها فعلاً: V8 وV12 حتى نهاية 2035، من دون هجين قابل للشحن يثقل سياراتها.
قد يكون هذا تأخراً عن مسار الصناعة، وقد يكون قراءة واقعية لما يريده عميل هذه الفئة فعلاً. والإجابة لن تُعرف قبل عقد كامل.
