منذ أن أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار 302 في كانون الأول/ديسمبر 1949، شكّلت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» إطارًا أمميًا للتعامل مع قضية اللجوء الفلسطيني، التي نشأت عن نكبة عام 1948 ولم تجد طريقها إلى حل عادل. وعلى الرغم من أن الوكالة أُنشئت لتقديم الخدمات الأساسية إلى اللاجئين، فإن دورها تجاوز الإغاثة والتعليم والرعاية الصحية، ليصبح مرتبطًا باستمرار حضور قضيتهم في المنظومة الدولية.

وعلى امتداد أكثر من سبعة عقود، حافظت الأونروا على سجلات ملايين اللاجئين الفلسطينيين، وقدّمت خدماتها في قطاع غزة والضفة الغربية، بما فيها الالشرقية، والأردن ولبنان وسوريا. وبذلك، لم تكن مجرد مؤسسة تقدم المساعدات، بل ظلت شاهدًا على قضية سياسية لم تُحل، وعلى حقوق لا ينهيها مرور الزمن أو تغير الظروف الإقليمية والدولية.
من هنا، لا يمكن قراءة الإجراءات التي تستهدف الوكالة باعتبارها خلافًا إداريًا أو ماليًا فحسب، إذ تتجاوز آثارها قدرة المؤسسة على تقديم الخدمات إلى طبيعة التفويض الذي أُنشئت بموجبه ومكانة قضية اللاجئين في النظام الدولي. وتكمن الخطورة في أن يتحول اللاجئ الفلسطيني من صاحب قضية وحقوق تاريخية وسياسية إلى مجرد فرد يحتاج إلى مساعدة إنسانية مؤقتة، يمكن تقليصها أو وقفها تبعًا للموارد المتاحة.
وفي هذا السياق، تكتسب المصطلحات المستخدمة لوصف الأزمة أهمية خاصة؛ فعبارات مثل «الإصلاح الإداري» و«ترشيد النفقات» و«إعادة هيكلة الخدمات» قد تعبّر عن إجراءات تنظيمية مشروعة، لكنها قد تُستخدم أيضًا لتبرير خطوات تؤدي إلى إضعاف الوكالة أو تقليص دورها. لذلك، ينبغي التمييز بين تطوير الأداء وتحسين كفاءة الإنفاق من جهة، وبين اتخاذ الإصلاح مدخلًا لتغيير التفويض الأممي أو إفراغه من مضمونه من جهة أخرى.
وتواجه الأونروا أزمة مالية متواصلة، في ظل اعتمادها بدرجة أساسية على التبرعات الطوعية. وتشير الأرقام الواردة بشأن عام 2025 إلى تعهدات تمويلية بلغت نحو 878 مليون دولار، مقابل 839 مليونًا تسلمتها الوكالة فعليًا. ويكشف الفارق بين الرقمين جانبًا من التحديات التي تواجهها المؤسسة، لكنه يطرح أيضًا سؤالًا أوسع بشأن مدى ملاءمة نظام التمويل الطوعي لمؤسسة تتولى تنفيذ تفويض أممي مرتبط بقضية مستمرة.
فعدم انتظام التمويل يجعل استمرارية الخدمات عرضة لتقلبات المواقف الدولية وأولويات الدول المانحة، وينعكس على قدرة الوكالة على التخطيط لعملياتها وتلبية احتياجات اللاجئين. ولا تقتصر نتائج التقليص على أرقام الميزانية، بل تمتد إلى المدارس والمراكز الصحية وبرامج الإغاثة، التي تمثل مصدرًا أساسيًا للخدمات بالنسبة إلى قطاعات واسعة من اللاجئين.
وفي المقابل، لا يعني الدفاع عن الأونروا إعفاءها من الرقابة المالية أو التطوير المؤسسي، بل يقتضي ضمان أن تتم الإصلاحات بما يحافظ على قدرتها على تنفيذ ولايتها، لا أن تتحول الأزمة المالية إلى وسيلة للضغط السياسي عليها. فالمشكلة لا تكمن في مراجعة النفقات بحد ذاتها، وإنما في احتمال استخدام العجز المالي لتبرير تقليص تدريجي للدور الذي تؤديه الوكالة.
وتبرز الالشرقية بوصفها إحدى الساحات التي يتجلى فيها الصراع على وجود الأونروا ومكانتها. ففي كانون الثاني/يناير 2026، طالت إجراءات إسرائيلية منشآت الوكالة في المدينة، شملت اقتحام مقرها في حي الشيخ جراح وهدم مبانٍ داخله، إلى جانب إجراءات أخرى أثرت في مرافقها. وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن قدرة المؤسسة الأممية على مواصلة عملها في مدينة محتلة، في ظل القيود التي تواجهها.
ولا يقتصر الأمر على الأضرار التي تلحق بالمباني والمرافق، بل يمتد إلى الحماية القانونية التي تتمتع بها الأمم المتحدة ومؤسساتها. فامتيازات المنظمة الدولية وحصاناتها تستند إلى أطر قانونية دولية، من بينها اتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها لعام 1946، ولا تتوقف على موافقة سلطات الاحتلال أو مواقفها السياسية. ومن ثم، فإن الإجراءات التي تعرقل عمل الوكالة تثير مسائل تتعلق بالتزامات الدول تجاه الأمم المتحدة ومؤسساتها.
وتتصل هذه التطورات بالقوانين التي أقرها الكنيست الإسرائيلي في تشرين الأول/أكتوبر 2024، ودخلت حيز التنفيذ في كانون الثاني/يناير 2025، والتي استهدفت عمل الأونروا وفرضت قيودًا على نشاطها وعلاقاتها بالسلطات الإسرائيلية. وقد انعكست هذه الإجراءات بصورة خاصة على عمل الوكالة في الالشرقية، حيث باتت قدرتها على أداء مهامها تواجه قيودًا قانونية وميدانية متزايدة.
وتكتسب هذه الإجراءات دلالة أوسع بالنظر إلى الدور الذي تؤديه الأونروا في الحفاظ على حضور قضية اللاجئين داخل المؤسسات الدولية. فإضعاف قدرتها على العمل لا يعني فقط تراجع الخدمات المقدمة إلى الفلسطينيين، بل قد يحد أيضًا من حضور إحدى المرجعيات الأممية التي ارتبطت بقضيتهم منذ عام 1949.
ومع ذلك، من الضروري التمييز بين استمرار الوكالة واستمرار الحقوق الفلسطينية؛ فحق العودة لا ينشأ من وجود الأونروا ولا يسقط بإلغائها، وإنما يستند إلى مرجعيات قانونية وسياسية مستقلة، من أبرزها قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194. لكن تقويض الوكالة من شأنه إضعاف أحد الأطر الدولية التي أبقت قضية اللاجئين حاضرة في النقاش السياسي والقانوني على مدى عقود.
وتتزايد أهمية هذه المسألة في ظل الطروحات المتعلقة بإعادة هيكلة العمل الإنساني في قطاع غزة أو نقل بعض مهام الأونروا إلى مؤسسات أخرى. فالتنسيق بين الجهات الدولية وتطوير آليات تقديم المساعدات أمران يمكن بحثهما في إطار الاستجابة للاحتياجات الإنسانية، لكنهما لا يمنحان المؤسسات البديلة تلقائيًا التفويض الأممي نفسه، ولا يبرران تغيير المرجعية التي أُنشئت الوكالة بموجبها.
وفي هذا السياق، أكد رئيس دائرة شؤون اللاجئين أحمد أبو هولي أن مجلس السلام لا يملك تفويضًا لتغيير ولاية الأونروا، باعتبار أن الاختصاص في هذا الشأن يعود إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة. ويعيد هذا الموقف التأكيد على أن تعديل التفويض أو إنهاءه ليس مسألة إدارية يمكن حسمها من خلال ترتيبات انتقالية، بل يرتبط بالجهة الأممية التي أصدرت القرار المنشئ للوكالة.
ولا تنفصل هذه الإشكالية عن المخاطر التي تواجه العاملين في المجال الإنساني. فقد أشارت تقارير الأونروا إلى مقتل نحو 390 من موظفيها منذ اندلاع الحرب على غزة، في حصيلة تعكس حجم الخسائر التي طالت كوادرها خلال أداء مهامهم. ويضع ذلك المجتمع الدولي أمام مسؤولية تتعلق بحماية العاملين والمنشآت الإنسانية، وضمان عدم تحول المؤسسات الأممية إلى أهداف أو تعطيل قدرتها على تقديم الخدمات.
وفي الوقت نفسه، لا تكفي البيانات السياسية التي تؤكد ضرورة حماية الوكالة ما لم تقترن بإجراءات عملية تضمن استمرار التمويل، وتحمي منشآتها وموظفيها، وتتيح لها تنفيذ تفويضها. وقد جددت منظمة التعاون الإسلامي تأكيدها أهمية الحفاظ على ولاية الأونروا المستندة إلى القرار 302 ورفض محاولات المساس بمكانتها، لكن التحدي يبقى في تحويل هذه المواقف إلى خطوات ملموسة تحد من الضغوط التي تتعرض لها.
إن جوهر الأزمة لا يتعلق بالجهة التي توزع الغذاء أو تدير المدارس والمراكز الصحية فحسب، بل بالإطار الذي تُقدَّم الخدمات ضمنه، وبما إذا كان اللاجئ سيظل معترفًا به ضمن قضية سياسية وحقوقية لم تُحل، أم سيُختزل في مستفيد من برامج إنسانية مؤقتة. فالمساعدات، مهما بلغت أهميتها، لا تعوّض عن الحل السياسي، ولا يمكن أن تحل محل الحقوق المرتبطة باللجوء والعودة.
ومن هنا، تبرز مسؤولية الأطراف الفلسطينية والعربية والدولية في حماية الأونروا من محاولات تقويض دورها، وضمان تمويل مستدام لعملياتها، والتصدي للإجراءات التي تعرقل عملها، مع مواصلة المطالبة بحل عادل لقضية اللاجئين. ولا يتعارض ذلك مع ضرورة تطوير الأداء المؤسسي ومراقبة الإنفاق، بل يقتضي الفصل بين الإصلاح الذي يعزز قدرة الوكالة على أداء مهامها، والإجراءات التي قد تؤدي إلى إضعاف تفويضها.
فالأونروا ليست بديلًا عن الوطن أو العودة، لكنها تظل شاهدًا أمميًا على أن قضية اللاجئين الفلسطينيين لم تنتهِ، وأن حقوقهم لا تسقط بالتقادم. ومن ثم، فإن حماية الوكالة لا تقتصر على صون مؤسسة إغاثية، بل تتصل بالحفاظ على حضور القضية في المنظومة الدولية، ومنع اختزالها في احتياجات إنسانية منفصلة عن جذورها التاريخية والسياسية.
وفي نهاية المطاف، لا يمكن فصل مستقبل الأونروا عن مستقبل قضية اللاجئين؛ فتراجع خدماتها يهدد حياة ملايين الفلسطينيين، وتقويض تفويضها يضعف أحد الأطر الدولية التي حافظت على حضور قضيتهم طوال عقود. وبين الحاجة الملحة إلى المساعدات وضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل، يبقى التحدي في ضمان ألا تتحول الأزمة المالية أو الإجراءات الإسرائيلية إلى مدخل لتهميش الحقوق الفلسطينية أو إقصائها من أي تسوية مستقبلية.
