يبدو أن مبدأ عدم التعاون الذي يتبناه الاتحاد الديمقراطي المسيحي (CDU) تجاه حزب البديل من أجل ألمانيا يواجه اختبارًا غير مسبوق. فقد أقر مؤتمر الحزب في شتوتغارت عام 2018 سياسة “جدار الحماية”، كما التزمت معظم الأحزاب الألمانية الأخرى، باستثناء تحالف سارا فاغنكنشت (BSW)، برفض التعاون مع الحزب.
ومن المهم أن نلاحظ أن تعبيرات “الجدار الناري” أو “جدار الحماية” أو “الجدار السياسي العازل” تمثل توافقًا ضمنيًا بين الأحزاب الألمانية على عدم المشاركة في أي تحالف يسمح لحزب “البديل” بالوصول إلى مراكز الحكم.
“الجدار الناري” أمام اختبار صعب
كان الهدف من هذه السياسة هو الحد من شعبية حزب البديل لأجل ألمانيا ومنعه من الوصول إلى مراكز السلطة.
ومع ذلك، تشير النتائج الانتخابية في السنوات الأخيرة وفقًا لتقارير موقع تاغس شبيغل الألماني، إلى أن الهدف الأول لم يُحقق، وبتزامن ذلك مع انتخابات ولاية ساكسونيا-أنهالت، قد يصبح تحقيق الهدف الثاني أكثر صعوبة أيضًا.
رغم تمسك المستشار فريدريش ميرتس بسياسة الفصل الصارمة، يرى رئيس وزراء بافاريا ماركوس زودر أن المقاربة الحالية لم تعد فعّالة. حيث قال في برنامج “مايشبيرغر” على قناة ARD: “لقد فشل مفهوم الجدار”. وهذا يثير سؤالًا بات مطروحًا بقوة في النقاش السياسي الألماني: هل أصبحت هذه الاستراتيجية من الماضي؟
الحماية الدستورية أم إرادة الناخبين؟
يعتبر خبير الشعبوية فيليب أدورف من جامعة بون أن “الجدار الناري” “ينهار منذ فترة طويلة”. ويوضح أن فكرة عزل حزب البديل عن السلطة كانت مرتبطة أساسًا بإبقائه حزبا ذو تأثير انتخابي محدود. فالتعامل مع حزب يحصل على ما بين 10 و15 في المئة من الأصوات يختلف جذريًا عن التعامل مع حزب يحوز على أكثر من 30 في المئة.
في المقابل، يؤكد المحلل السياسي كونستانتين وورثمان من جامعة ماينز أن القضية تتجاوز نتائج الانتخابات، بل تتعلق بحماية النظام الديمقراطي نفسه. فبرأيه، أصبح الحفاظ على المؤسسات الديمقراطية أكثر أهمية من أي وقت مضى بعد انتخابات ساكسونيا-أنهالت.
تسلط هذه القضية الضوء على معضلة أساسية في الديمقراطيات الحديثة: أيهما يجب أن تأتي في المقام الأول، إرادة الناخبين أم حماية النظام الديمقراطي من القوى التي تُرى على أنها متطرفة؟
في ساكسونيا-أنهالت، يصنف مكتب حماية الدستور حزب البديل من أجل ألمانيا كتيار يميني متطرف مؤكد، وفي الوقت نفسه حصل الحزب على 43.8 في المئة من الأصوات في انتخابات الولاية.
ويؤكد وورثمان، وفقًا لتقرير نشره موقع “تاغس شاو” التابع للقناة الألمانية الأولى، أن الاعتراف بإرادة الناخبين لا يعني بالضرورة التعاون السياسي مع أي حزب. فالأحزاب الشعبوية غالبًا ما تعتبر ما تسميه “إرادة الشعب” هو المصدر الوحيد للشرعية الديمقراطية، في حين تقوم الديمقراطية الليبرالية على عناصر أخرى، مثل حماية الحقوق الفردية واستقلال القضاء.
ويستخدم أدورف تشبيهاً لافتًا لتوضيح وجهة نظره، حيث يقول إن الديمقراطية لا يجب أن تُختزل في التصويت العددي وحده، وإلا فإن الأمر سيصبح أشبه بـ”ذئبين وخروف يقررون ما سيكون على العشاء”. ويرى أن استقلال المحاكم والضمانات الدستورية هما جزء أساسي من أي نظام ديمقراطي ليبرالي.
مستقبل ميرتس في الميزان
يثير النقاش حول “الجدار الناري” تساؤلات أيضًا حول مستقبل المستشار فريدريش ميرتس ومكانته داخل الاتحاد الديمقراطي المسيحي. فهذه السياسة تُعتبر أحد أعمدة موقفه السياسي، وأي تراجع عنها قد يُعتَبَر إضعافًا لقيادته.
يعتقد أدورف أن تحوّلاً تدريجياً داخل الحزب نحو مواقف أكثر انفتاحاً تجاه حزب البديل لأجل ألمانيا، سيشكل ضربة قوية لمكانة ميرتس. كما أن وجود تعاون موضعي بين بعض أعضاء الاتحاد الديمقراطي المسيحي وحزب البديل على المستوى المحلي يزيد من حساسية هذا الملف.
أما وورثمان فيرى أن القضية الأهم ليست مستقبل ميرتس، بل قدرة الاتحاد الديمقراطي المسيحي على الحفاظ على تميزه السياسي عن حزب البديل لأجل ألمانيا. ويحذر من أن تراجع هذا التمييز قد يؤدي إلى ضبابية متزايدة في المشهد الحزبي الألماني.
على الجانب الآخر، يستند المدافعون عن جدار الحماية، بحسب التحليل، إلى نتائج دراسات متعددة تشير إلى أن الأحزاب الشعبوية غالبًا ما تخرج أقوى عندما تشارك في الحكم، بينما تتراجع الأحزاب التقليدية التي تدخل معها في شراكات سياسية.
مع ذلك، يدعو ماركوس زودر إلى اتباع نهج مختلف يقوم على مواجهة حزب البديل سياسيًا وبشكل مباشر. وحسب تعبيره الكروي، فإن الأمر يتطلب “خوض الالتحامات” بدل الاكتفاء بالعزل السياسي. ويرى أن أفضل اختبار للحزب هو مواجهة أطروحاته في النقاش السياسي اليومي ومحاسبته على حلول عملية بدل الوقوف على انتقاد الآخرين.
ومع استمرار هذا الجدل داخل معسكر الاتحاد الديمقراطي المسيحي والاتحاد الاجتماعي المسيحي، يبدو أن النقاش حول جدوى جدار الحماية ووظيفته السياسية لن يتراجع في المستقبل القريب، بل قد يصبح أحد أبرز الملفات التي ستحدد شكل الحياة السياسية الألمانية خلال السنوات المقبلة.
تحرير: حسن زنيند
