الزئبق ينكمش، ولكن بشكل أسرع مما كان يعتقد سابقا
بقلم ماثيو ويليامز – 16 سبتمبر 2026، الساعة 11:17 مساءً بالتوقيت العالمي | علم الكواكب
لقد ساهمت بعثات مثل “مارينر 10″ و”ماسنجير” و”بيبي كولومبو” في توفير الكثير من المعلومات حول عطارد، الكوكب الأقرب إلى الشمس. ومن خلال الصور والبيانات المستقاة من هذه البعثات، تبين أن سطح عطارد يعاني من التجاعيد، مما يدل على أن الكوكب قد تقلص بمرور الزمن. ومع ذلك، تشير أدلة جديدة من فريق في معهد أبحاث الفضاء التابع لمركز الفضاء الألماني (DLR) إلى أن عطارد يتقلص بشكل أسرع مما كان يعتقد في السابق.
تظهر دراسة الفريق، التي نُشرت في مجلة “رسائل البحوث الجيوفيزيائية”، أن سطح عطارد قد تقلص بنسبة تتراوح بين 10% و30%، مما يعادل ما بين 7.5 كم إلى 23 كم (حوالي 4.75 إلى 14.5 ميل)، بشكل أسرع مما كان متوقعًا. ويعد فهم مدى سرعة انكماش الكوكب الصخري أمرًا حيويًا في فهم تطوره الجيوديناميكي، مما يعني أن هذه النتائج قد تعيد تشكيل معرفتنا بتاريخ عطارد.
حتى الآن، اعتمد العلماء في استنتاج انكماش عطارد على رسم خرائط للهياكل المعروفة بالتقصير، التي تتشكل خلال فترة التبريد العالمية. مثل بقية الكواكب في النظام الشمسي، تشكل عطارد نتيجة لتصادمات عنيفة بين الكويكبات والأجسام الأخرى التي كانت تدور حول الشمس قبل حوالي 4.5 مليار سنة. أدت هذه الاصطدامات إلى توليد حرارة هائلة، مما جعل عطارد في بداياته يتحول إلى كرة منصهرة من الصخور التي بدأت في التبريد تدريجياً.
عندما برد باطن عطارد، تسبب ذلك في انهيار طبقاته الخارجية الصخرية، مما أدى إلى تشكيل المنحدرات والتضاريس الأخرى. الانكماش المتسارع يمكن أن يتسبب في ظهور هياكل التقصير على سطح الكوكب، إلا أن تأثيرات الاصطدامات على مدى مليارات السنين تركت السطح مملوءًا بالمنخفضات والحطام، مما يزيد من تعقيد عملية تحديد علامات الانكماش.
في سياق هذا الموضوع، سعى الباحث جاكو نيشياما، عالم الكواكب في معهد أبحاث الفضاء، وفريقه إلى التحقق من هذه النظرية. قاموا بدمج خرائط جيولوجية سابقة أظهرت ميزات الانكماش مع خرائط جديدة تعكس خشونة سطح عطارد. النتائج أكدت للمرة الأولى أن المناطق الأكثر خشونة على عطارد تحتوي على عدد أقل من التجاعيد السطحية، مما يشير إلى أن الحطام الناتج عن الاصطدام يمكن أن يغطي تلك المناطق.
بعد ذلك، قاموا بتقدير مقدار الانكماش الذي حدث على مستوى الكوكب، بما في ذلك تحت المناطق الخشنة، بناءً على الكمية اللازمة لتشكيل التلال والمنحدرات في المناطق السلسة. وكشفت هذه الدراسة أن الميزات المفقودة في المناطق الوعرة يمكن أن تشير إلى معدل انكماش يصل إلى 10% إلى 30% أكثر مما كان يُعتقد سابقًا. وهذا يعني أنه على مدى عمر الكوكب، تقلص قطره بمعدل أكبر بكثير مما كنا نعتقد.
تبعًا للبيانات المتوفرة، يعتقد العلماء أن عطارد يمتلك نواة معدنية تشغل حصة أكبر بكثير في قطره وكتلته مقارنة بالكواكب الأخرى. نتائج جديدة تشير إلى أن الانكماش الأكبر قد يعني أن النواة المعدنية لعطارد قد تكون أكبر وأكثر تعقيداً من ما كان يعتقد سابقًا. ونقلت وسائل الإعلام عن نيشياما قوله: “المزيد من الانكماش يعني أن عطارد يمكن أن يكون له نواة معدنية أكبر أو يحتوي على عناصر خفيفة أقل”.
يتوقع الفريق أن هذه التقديرات المحدثة حول مقدار تبريد واحتراق عطارد خلال تاريخه تتماشى الآن بشكل أفضل مع النماذج الفيزيائية المعروفة. لكنهم حذروا من أن الأرقام المقدمة قد تكون أقل من الواقع، حيث أن البيانات المتوفرة حتى الآن من بعثة “ماسنجير” لا يمكن أن تقيس المعالم التي تقل أبعادها عن 5 كيلومترات.
لكن الوضع سيتغير بحلول 21 نوفمبر 2026، عندما تصل بعثة “بيبي كولومبو” التابعة لوكالة الفضاء الأوروبية إلى عطارد، لتبدأ في إجراء عمليات مسح عالية الدقة لسطحه. يأمل نيشياما وزملاؤه أن تكشف البيانات الجديدة عن ميزات الانكماش بتفاصيل تفوق أي عملية سابقة.
ليس فقط ستحسن النتائج المعرفة حول تاريخ عطارد، بل ستساهم أيضًا في فهم تطور الكواكب الصخرية التي تدور بالقرب من نجومها الأم.
