لا يزال العلماء يحاولون فهم كيفية تشكّل القمر
بقلم إيفان جوف – 08 سبتمبر 2026، الساعة 05:27 مساءً بالتوقيت العالمي | علم الكواكب
تقول فرضية التأثير العملاق إنه قبل حوالي 4.5 مليار سنة، اصطدم كوكب أولي بحجم المريخ يُدعى ثيا بالأرض الفتية. أدى هذا الاصطدام الكارثي إلى إطلاق كميات هائلة من الحطام إلى مدار حول الأرض، الذي تبلور فيما بعد ليشكل القمر. ورغم أن هذه الفرضية قد تم قبولها على نطاق واسع في الأوساط العلمية، إلا أن العديد من الأسئلة لا تزال دون إجابة، مما دفع العلماء إلى السعي لفهم كيفية تشكيل القمر بشكل أعمق.
في محاولة لفهم المزيد عن هذه العملية، استخدم الباحثون نماذج وعمليات محاكاة تعتمد على تفاصيل متزايدة لفحص تأثير درجة الحرارة وقوة المواد التي شاركت في ذلك الاصطدام التاريخي. نشر باحثون في “The Astrophysical Journal Letters” دراسة بعنوان “التقاط تصادمي لقمر سليم يعتمد على القوة”، حيث كان المؤلف الرئيسي هو الدكتور أدين دينتون، باحث ما بعد الدكتوراه في قسم علوم واستكشاف النظام الشمسي في معهد أبحاث الجنوب الغربي.
تناولت الدراسة فرضية الاصطدام العملاق، مشيرة إلى أن الاصطدام بين الأرض وكوكب ثيا أنتج قرصًا من الحطام فقيرًا في الحديد الذي تراكم لاحقًا ليشكل القمر. وقد قام الباحثون بإعادة النظر في هذه الفرضية، مستخدمين محاكاة هيدروديناميكية جسيمات ملساء (SPH) تستند إلى خصائص واقعية للمواد.
ومن المثير للاهتمام، أن معظم الأبحاث السابقة التي تناولت نموذج GIH (النموذج الأساسي لفرضية الاصطدام العملاق) لم تأخذ في الاعتبار قوة المواد خلال الاصطدام. كان الافتراض السابق هو أن القوة الناتجة عن الاصطدام لن تؤثر بشكل ملحوظ على النتيجة النهائية. لكن دينتون وزملاءه قاموا بإعادة تقييم هذا الفرضية بمراعاة القوة التي تعتمد على درجة الحرارة في نماذجهم.
وقد أوضح دينتون في بيان صحفي: “لقد تطورت النماذج لتشمل القوة المادية، وهو أمر ذو أهمية كبيرة عند دراسة الاصطدامات بين الأجسام الصغيرة مثل الكويكبات. وعندما أجرينا عمليات المحاكاة، وجدنا أن هذه العوامل في الواقع مؤثرة بشكل كبير”.
وجد الباحثون أن المواد الأكثر سخونة أضعف مقارنة بالمواد الأكثر برودة، وهو ما يعكس مدى أهمية درجة الحرارة في عملية تكوين القمر. وأظهر فريق البحث أن القوة الموجودة في الجزء الخارجي من ثيا، على الرغم من أنها ليست مقارنة بالضغوط الموجودة في أعماق الأرض، كانت كافية للتأثير في تشوهها، مما أدى إلى تغييرات في نقل الزخم الذي أثر بدوره على تكوين القمر.
تعد هذه النتائج لها دلالة كبيرة، حيث أن الكواكب الأولية الصخرية، كالأرض وثيا، تبرد بمرور الزمن. إن درجة حرارة الأرض وثيا أثناء الاصطدام تعتبر أحد العوامل الأساسية التي تحدد كيفية تشكل القمر. كتب الباحثون في دراستهم: “لإعداد واحد معين من معلمات التأثير الأساسية المتطابقة، أنتج ثيا الساخن والمتين قمرًا سليمًا، بينما الثيا الأبرد والأقوى أنتج قرصًا قمريًا أوليًا كلاسيكيًا”.
تشير النماذج الأولية لفرضية الاصطدام العملاق إلى أن القرص القمري يتكون بشكل رئيسي من المواد القادمة من ثيا، مع كمية قليلة من المواد الأرضية. ففي السيناريو الكلاسيكي، تبقى المنطقة الخارجية من القرص أكثر برودة، مما يسمح بتشكل القمر. ومع ذلك، فإن هذا النموذج الكلاسيكي يستند أيضًا إلى فكرة مفادها أن تشكّل القمر يجب أن يكون مختلفًا عن تشكّل الأرض، لكن الدراسات النظائرية أظهرت أنهما قريبان من بعضهما البعض.
أشار الباحثون إلى أن هذه النتائج قد تساهم في إنشاء علاقة جديدة مهمة بين ديناميكيات التأثير العملاق وتوقيت تكوين القمر والكيمياء الجيولوجية له. بينما يمكن أن يتشكل القمر في فصل زمني قصير، حيث يستغرق الأمر ساعات قليلة فقط. وأوضح المؤلفون أن دمج القوة (ضغوط القص في المواد الصلبة) يؤثر بشكل كبير على ما إذا كان القمر سيتشكل بشكل سليم أو سيتبلور من قرص الحطام.
ذكر دينتون أيضا: “اعتمادًا على مدى حرارة الأرض وثيا قبل الاصطدام، يمكن أن يؤدي الاصطدام إلى تدمير ثيا، مما ينتج عنه قرص ضخم من الحطام الذي يشكل القمر في النهاية”. ومع ذلك، عندما تم استخدام نفس المعايير المستخدمة في نموذج التأثير الأصلي، حيث كانت درجة الحرارة متساوية داخل كلا الجسمين، لم يستغرق الأمر أكثر من خمس ساعات لتظهر ملامح قمر سليم.
تشير هذه النتائج إلى أهمية فهم كيف تؤثر درجة الحرارة على تكوين القمر وكيف يمكن للعوامل المختلفة خلال الاصطدام أن تؤثر على الطبيعة النهائية للقمر. في المجمل، تعد هذه البحث خطوة جديدة في محاولة حل لغز كيفية تشكل القمر، مما يفتح الأفق أمام المزيد من الدراسات والأبحاث حول هذا الموضوع المعقد.
