
خاص: في صباح السادس من أيلول، بدأت المدارس الفلسطينية عامًا دراسيًا جديدًا. في ذلك الصباح، فتحت أبواب المدارس لاستقبال المعلمين والطلاب، ولكن المشهد لم يكن متشابهًا للجميع؛ حيث عاد أحد المعلمين إلى طلابه بعد فترة اعتقال دامت نحو عامين خلال الحرب، في حين غابت معلّمة عن مدرستها بسبب الحصار المفروض على منزلها.
في مدارس عورتا الثانوية، عاد الأستاذ المحرر عبدالسلام عواد إلى صفوف طلابه بعد غياب دام نحو عامين قضاها في الاعتقال. وبعد 29 عامًا من الخدمة في مجال التعليم، لم تكن عودته مجرد استئناف للعمل بل كانت استعادة لجزء من حياته.
بدأ العام الدراسي في الوقت الذي كان عبدالسلام فيه محتجزًا. كانت المدارس تفتح أبوابها، ويعود المعلمون إلى صفوفهم، بينما هو كان بعيدًا عن هذا المشهد. شعر بأن شيئًا منه قد فُقد وأن جزءًا من حياته قد مضى بدون وجوده.
اليوم، عاد إلى المكان الذي قضى فيه سنوات طويلة من عمره. يستعيد يومًا بعد يوم تفاصيل حياته بين طلابه ويعيش فرحة العودة التي كان ينتظرها طويلًا. بالنسبة له، أصبحت الحرية واضحة في أبسط الأمور؛ بأن يفتح الباب، يسلك الطريق الذي يختاره، يصل إلى مدرسته، ويقف أمام طلابه.
مع ذلك، ترك غيابه الذي دام نحو عامين أثره على حياته وعائلته.
خلال فترة اعتقاله، تخرج أحد أبنائه من الجامعة غيابًا عن دعم والده، وُلد حفيدان له بينما كان خلف القضبان، وشهدت مناسبات عائلية كثيرة لم يتمكن من المشاركة فيها.
كما فقد عبدالسلام خلال تلك الفترة عددًا من أقاربه وأصدقائه، ورحل أولئك الذين كانوا قريبين منه دون أن يتمكن من وداعهم أو الوقوف بجانب عائلاتهم.
عانى أيضًا ابنه من تبعات غياب والده؛ إذ اقتحمت القوات منزل العائلة خلال فترة اعتقاله، واعتقلت الابن واعتدت عليه بالضرب.
خلال العامين، تعرض منزل العائلة لثلاثة اقتحامات، كان آخرها قبل أشهر قليلة من الإفراج عن عبدالسلام، مما تسبب في أضرار جسيمة.
لذا، لم تكن عودة عبدالسلام في السادس من أيلول مجرد إعادة إلى المدرسة، بل كانت عودة إلى مهنة عاشها لمدة 29 عامًا، إلى طلاب افتقدوا حضوره، وإلى تفاصيل حياتية وعائلية غاب عنها قسرًا.
أما في قصرة، فلم يكن اليوم الدراسي يحمل نفس النغمة.
هناك، لم تكن سهير أبو ريدة أمام طالباتها في اليوم الأول من العام الدراسي. المعلمة في مدرسة أسماء بنت أبي بكر، التي قامت بتعليم الطلاب لمدة 16 عامًا، بقيت محاصرة داخل منزل شقيقها في منطقة رأس العين، حيث يحاصر الجيش ثلاثة منازل، بينها منزل شقيقها.
منذ حوالي ثلاثة أسابيع، لم تغادر سهير المنزل، وجاءت برفقة والدتها التي تبلغ من العمر نحو ثمانين عامًا، والتي لم ترَ ابنها منذ عام، لتجد الأم وابنتها نفسيهما محاصرتين.
حتى الاحتياجات الأساسية أصبحت بحاجة إلى تنسيق؛ إذ أن إدخال الطعام والماء والدواء قد يستغرق أيامًا، بينما رُفضت في بعض الأحيان طلبات الخروج. وعندما حاول شقيقها تنسيق زيارة طبية لها، لم يُسمح لها بالمغادرة.
قبل بدء العام الدراسي، نصب المستوطنون خيمة ونقطة استيطانية أمام المنزل، بعد اعتداءات سابقة شملت قطع الكهرباء والمياه والدخول إلى ساحة البيت، وعلى مسافة قريبة من المدخل، يوجد حاجز عسكري يعقد الوصول.
في صباح السادس من أيلول، كانت سهير تدرك أن طالباتها في المدرسة، وزميلاتها يبدأن عامًا جديدًا، بينما هي غير قادرة على مغادرة المنزل.
تقول: “شعرت اليوم أنني في سجن؛ لأنني كنت حقًا أرغب في أن أكون في مدرستي، لكنني لم أستطع.”
وصل غيابها إلى المدرسة قبلها؛ فقد سجّلت مديرية التربية غيابها عن الصف والمكتب، بينما تواصلت معها مديرة المدرسة واقترحت إمكانية تدريس الطالبات عن بُعد كوسيلة للتعامل مع الوضع القائم بسبب الحصار.
كانت سهير تأمل أن يكون اليوم الأول بداية مختلفة؛ أن تصل إلى مدرستها، وتلتقي زميلاتها، وتكون وسط طالباتها كما اعتادت طوال السنوات الماضية. لكن العام الدراسي بدأ وهي تتطلع إلى إمكانية الخروج من المنزل.
وهكذا، كان السادس من أيلول يحمل صورتين متناقضتين؛ عبدالسلام، الذي خرج بعد عامين من الاعتقال ليعود إلى مدرسته وطلابه بعد 29 عامًا من التعليم، وسهير، التي لم تكن محبوسة ولكنها وجدت نفسها غير قادرة على مغادرة منزلها.
واحد بدأ عامه الدراسي بالعودة، والأخرى بدأته بالغياب. واحد استعاد طريقًا حرم منه لعامين، والأخرى تنتظر أن يُفتح الطريق أمامها.
في اليوم الذي كان من المفترض أن يكون بداية للفرح، اجتمع الفرح والحزن في نفس المشهد؛ معلم يحتفل بحريته بين طلابه، ومعلمة تعيش وجع الغياب وهي في بيتها.
تلك هي المفارقة التي يفرضها الوضع على الفلسطينيين؛ إذ قد يخرج معلم من السجن ليعود إلى مدرسته، بينما تُحاصر معلمة خارج السجن وتُمنع من الوصول إلى مدرستها.
وفي صباح واحد، كان عبدالسلام يستعيد طلابه بعد عامين من الأسر، بينما كانت سهير تنتظر استعادة حق بسيط: أن تخرج من باب بيتها، وتسلك الطريق إلى مدرستها، وتبدأ عامها الدراسي مع طالباتها.
