
تتناول الباحثة والمؤرخة الأميركية المتخصصة في تاريخ الشرق الأوسط عسل راد، في كتابها الجديد «لا تقولوا فلسطين: كيف صنع الإعلام الموافقة على الإبادة الجماعية»، طريقة تغطية وسائل الإعلام الأميركية والغربية للحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، مركزة على أثر اللغة الصحفية وطريقة صياغة العناوين والأخبار في تشكيل فهم الجمهور لما يجري.
وترى راد، في مقابلة مع الكاتب أموس بارشاد، الزميل الأول في برنامج «ديلاكورت»، أن وسائل الإعلام الأميركية الرئيسية أخفقت في نقل صورة كافية للجمهور عن طبيعة ما كانت تفعله “إسرائيل” في غزة، معتبرة أن الالتزام بما تصفه بالتصور التقليدي لـ”الموضوعية الصحفية” أسهم في إخفاء المسؤولية عن أفعال الجيش الإسرائيلي.
وتقول راد إن المشكلة لا تقتصر على مضمون الأخبار، بل تشمل اللغة المستخدمة في وصف الضحايا والجهات المسؤولة عن قتلهم، إلى جانب طريقة عرض الروايات الإسرائيلية والتعامل معها، معتبرة أن هذه الخيارات التحريرية تؤثر في الطريقة التي يفهم بها الجمهور الحرب ومسؤولية الأطراف عنها.
اللغة كأداة لتشكيل الرواية
وتستند راد في كتابها إلى تحليل مجموعة واسعة من التغطيات الصحفية، بما في ذلك مواد منشورة في مؤسسات إعلامية كبرى مثل “سي إن إن” ووكالة أسوشيتد برس و”بي بي سي” و”نيويورك تايمز”، للبحث في أنماط التغطية التي ترى أنها تقلل من مسؤولية “إسرائيل” عن أفعالها أو تستخدم لغة مختلفة عند وصف الضحايا الإسرائيليين والفلسطينيين.
وتشير إلى أمثلة تتعلق بصياغة العناوين، معتبرة أن استخدام المبني للمجهول أو التركيز على نتائج الهجوم بدل الجهة التي نفذته يمكن أن يؤدي إلى تغييب المسؤولية الفعلية عن الحدث.
وتُعرف راد على منصات التواصل الاجتماعي بلقب “مصححة العناوين”، إذ تنشر تعديلات على عناوين صحفية ترى أنها أخفقت في تسمية الجهة المسؤولة عن أفعال موصوفة في الخبر. ومن الأمثلة التي ناقشتها في مقابلاتها تعديلها عنوانًا لصحيفة “واشنطن بوست” بشأن العثور على مسعفين فلسطينيين في مقبرة جماعية بغزة، ليشير صراحة إلى مسؤولية قوات الاحتلال عن قتلهم ودفنهم.
الصحفيون في غزة
ويخصص الكتاب جانبًا من نقده للتغطية الإعلامية المتعلقة بالصحفيين الفلسطينيين، إذ ترى راد أن طريقة تناول استشهاد الصحفيين الفلسطينيين أو الاتهامات الإسرائيلية بحقهم تكشف، بحسب تحليلها، عن تفاوت في المعايير المستخدمة عند التعامل مع الضحايا والعاملين في المجال الإعلامي.
وتربط المؤلفة بين هذه التغطية وبين ما تعتبره تطبيعًا تدريجيًا مع استهداف الصحفيين في مناطق الحرب، محذرة من أن تكرار الروايات الرسمية من دون تدقيق أو سياق كافٍ يمكن أن يؤثر في النظرة إلى حماية الصحفيين أثناء النزاعات.
من «الموضوعية» إلى مسؤولية الصحافة
وتضع راد مفهوم “الموضوعية” الصحفية في قلب نقدها، إذ ترى أن التعامل مع الروايات المتعارضة باعتبارها متساوية في كل الحالات قد يؤدي إلى حجب سياق أساسي عن الجمهور، خصوصًا عندما تكون إحدى الروايات صادرة عن طرف يمتلك قوة عسكرية وسياسية أكبر.
ولا تطرح راد في الكتاب نقدًا لغويًا فقط، بل تناقش، وفق وصف الناشر، العلاقة بين التغطية الإعلامية والرأي العام، وكيف يمكن للاختيار التحريري في الكلمات والعناوين والسياق أن يؤثر في فهم الجمهور للأحداث ومواقف الأطراف المتنازعة.
وصدر الكتاب عن دار “فينتاج” في 8 أيلول/سبتمبر 2026، ويقع في 256 صفحة في نسخته الورقية. وهو الكتاب الثاني لراد بعد كتابها «The State of Resistance: Politics, Culture, and Identity in Modern Iran» الصادر عن Cambridge University Press عام 2022.
وتقول راد إن كتابها محاولة لفحص الدور الذي أدته المؤسسات الإعلامية الكبرى في تشكيل الرواية السائدة عن حرب غزة، والسؤال عن حدود مسؤولية الصحافة عندما يتعلق الأمر بتغطية الانتهاكات والحروب والصراعات التي تتفاوت فيها قدرة الأطراف على إيصال رواياتها إلى الجمهور.
