الهولوكوست الذي ارتكبه النازيون بحق اليهود خلال الحرب العالمية الثانية لم يعد بالنسبة إلى غزة مجرد ذكرى من الماضي؛ فبعد عقود من استحضاره في الخطاب الإسرائيلي، جاءت حرب 7 أكتوبر لتفتح فصلًا جديدًا من القتل الجماعي، هذه المرة داخل قطاع غزة، هجوم 7 أكتوبر 2023 الذي قُتل خلاله نحو 1200 شخص في إسرائيل وتم أسر 251 أسيرًا، أعقبه هجوم إسرائيلي واسع على القطاع استمر 3 سنوات، وحوّل غزة إلى مسرح لأكبر حصيلة بشرية في تاريخ الصراع الحديث.
وبعد 3 سنوات، تكشف الأرقام حجم ما خلفته الحرب: 74,243 شهيداً فلسطينياً على الأقل و175,232 إصابة حتى 5 أكتوبر 2026، مقابل نحو 1200 قتيل في إسرائيل خلال هجوم 7 أكتوبر. وبين الرقمين يظهر الفارق الهائل في حجم الخسائر البشرية التي خلفتها الحرب،
لكن الأرقام الأكثر قسوة تظهر في تفاصيل الحصيلة الفلسطينية؛ إذ استشهد 21,784 طفلًا و11,213 امرأة و5,355 من كبار السن، بما يعني أن الفئات الأكثر هشاشة وحدها شكلت أكثر من نصف إجمالي الشهداء.
وبهذه الأرقام، تبدو الخسارة البشرية الأكبر بعد 3 سنوات في الجانب الفلسطيني، إذ إن عدد الشهداء في غزة تجاوز بأكثر من ستين ضعفًا عدد القتلى الإسرائيليين الذين سقطوا خلال هجوم 7 أكتوبر، وفق بيانات وزارة الصحة الفلسطينية.
وتشير البيانات الصادرة عن وزارة الصحة في قطاع غزة، للفترة الممتدة من 7 أكتوبر 2023 إلى 8 سبتمبر 2026، إلى أن الأطفال والنساء وكبار السن شكلوا أكثر من 52 % من إجمالي الشهداء، من بين أكثر من 74 ألف شهيد.
وكانت الأشهر الأولى من الحرب الأكثر دموية، إذ سجل أكتوبر 2023 استشهاد 10,803 أشخاص، بينما بلغ العدد في نوفمبر من العام نفسه 9,955 شخصًا.
وبحسب الأرقام، شكل الأطفال والنساء غالبية الحصيلة الشهرية للشهداء حتى يونيو 2025، من دون احتساب كبار السن.
ومع استمرار العمليات العسكرية، ظلت الفئات الثلاث، الأطفال والنساء وكبار السن، تمثل النسبة الأكبر من الحالات المسجلة.
الأطفال والنساء وكبار السن في مقدمة الخسائر
تُظهر بيانات وزارة الصحة في قطاع غزة أن عدد الرجال الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و59 عامًا بلغ 35,111 شهيدًا على الأقل، بنسبة 47.79 % من إجمالي الشهداء.
أما الأطفال دون 18 عامًا، فسجلوا 21,784 شهيدًا، بما يمثل 29.65 % من إجمالي الحصيلة، في حين بلغ عدد النساء بين 18 و59 عامًا 11,213 شهيدة بنسبة 15.26 %.
وسجل كبار السن 5,355 شهيدًا، بنسبة 7.29 %. وبجمع هذه الفئات الثلاث، يتضح حجم الخسائر التي لحقت بالفئات الأكثر هشاشة في المجتمع الفلسطيني خلال الحرب.
ولم تقتصر الخسائر بين الأطفال على عدد الشهداء، إذ تشير البيانات إلى أن 1,115 طفلًا كانوا من الرضع الذين لم يتجاوزوا عامهم الأول.
كما شملت الحصيلة 5,415 طفلًا تتراوح أعمارهم بين عام واحد وخمسة أعوام، و7,903 أطفال بين 6 و12 عامًا، و7,351 طفلًا بين 13 و18 عامًا.
ومن بين الأطفال الذين استشهدوا خلال العمليات العسكرية، كان هناك 599 طفلًا ولدوا ثم استشهدوا خلال الحرب.
وخلال الحرب، قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن غزة أصبحت “مقبرة للأطفال”.
لكن آثار الحرب على الأطفال لم تتوقف عند الاستشهاد والإصابة، إذ خلفت أيضًا أعدادًا كبيرة من الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كليهما.
وتقدر بيانات وزارة الصحة في القطاع عدد الأيتام بـ61,216 طفلًا، بينهم 58,503 أطفال فقدوا أحد الوالدين، بينما فقد 2,713 طفلًا كلا الوالدين.
كما بلغ عدد النساء اللواتي أصبحن أرامل بسبب الحرب 24,917 امرأة.
الخسائر الإسرائيلية وأرقام الشهداء الفلسطينيين بعد وقف إطلاق النار
بدأت الحملة العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة عقب الهجوم الذي قادته حركة حماس على جنوب إسرائيل في 7 أكتوبر 2023. وأسفر الهجوم عن مقتل نحو 1200 شخص واختطاف 251 أسيرًا.
وفي ما يتعلق بخسائر حركة حماس، قال الجيش الإسرائيلي في يناير 2025 إنه اغتال نحو 20 ألفًا من مقاتلي الحركة، بحسب وكالة رويترز.
وفي يناير 2026، نقلت صحيفة “جيروزاليم بوست” عن الجيش الإسرائيلي قوله إن قرابة 25 ألفًا كانوا من عناصر حركة حماس.
وتقول حماس إن التقديرات الإسرائيلية لخسائرها مبالغ فيها، لكنها لم تعلن عدد الشهداء في صفوف مقاتليها.
ورغم دخول وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر 2025، فإن حصيلة الشهداء واصلت الارتفاع.
وتصدر وزارة الصحة في القطاع إحصائيات شبه يومية بأعداد محدثة للضحايا، بالتزامن مع استمرار عمليات انتشال الجثامين التي بقيت تحت الأنقاض منذ العمليات العسكرية.
كما لا تزال إسرائيل تشن غارات وتستهدف بعض المواقع والأشخاص في القطاع.
وقال مدير وحدة المعلومات الصحية في وزارة الصحة، زاهر الوحيدي، في حديث مع %، إن قرابة 7,400 مفقود ما زالوا تحت الأنقاض في مناطق مختلفة من قطاع غزة.
وفي بيان صدر في 20 سبتمبر 2026، أعلنت وزارة الصحة في القطاع أن عدد الشهداء منذ 11 أكتوبر 2025، أي بعد بدء سريان وقف إطلاق النار، بلغ 1,393 شهيدًا، بينما وصل عدد الحالات التي جرى انتشالها من تحت الأنقاض إلى 831 حالة.
وتشير هذه البيانات إلى أن الحصيلة الفلسطينية لم تتوقف عند الأرقام التي سجلت خلال المراحل الأولى من الحرب، بل استمرت في الارتفاع بعد وقف إطلاق النار نتيجة سقوط شهداء جدد وانتشال جثامين من تحت الأنقاض.
تقديرات تتجاوز الحصيلة المعلنة
لا تقتصر أرقام الخسائر البشرية على ما أعلنته وزارة الصحة في قطاع غزة، إذ قدمت دراسة أخرى تقديرًا أعلى لعدد الوفيات الناجمة عن العنف خلال الفترة الأولى من الحرب.
ففي أبريل 2026، نشرت مجلة “ذا لانسيت غلوبال هيلث الطبية” دراسة قدرت عدد الوفيات الناجمة عن العنف في قطاع غزة خلال الأشهر الخمسة عشر الأولى من الحرب بنحو 75,200 شخص.
ويتجاوز هذا التقدير حصيلة وزارة الصحة في القطاع للفترة الممتدة من 7 أكتوبر 2023 إلى 5 يناير 2025، والتي بلغت 49,090 شهيدًا.
وبين الحصيلة التي تجاوزت 74 ألف شهيد في غزة، واستمرار تسجيل الإصابات والوفيات وانتشال الجثامين، وبين نحو 1200 قتيل في إسرائيل خلال هجوم 7 أكتوبر، تُظهر الأرقام أن الفلسطينيين تحملوا الجزء الأكبر من الخسائر البشرية خلال السنوات الثلاث للحرب.
