كشفت جنرال موتورز في مادة تعريفية عن فريقها في فورمولا 1 أن سيارة كاديلاك MAC-26 تحتاج إلى ما يقارب عشرة أميال من الأسلاك، أي نحو 16 كيلومتراً.
وقارنت المادة ذلك بفريق مرسيدس AMG بتروناس الذي أشارت إلى أنه يستخدم نحو 1.86 ميل، أي نحو ثلاثة كيلومترات.
ورقم 16 كيلومتراً مثير فعلاً. لكن المقارنة نفسها تستحق قراءة متأنية قبل تداولها، وهذا ما نبدأ به.

تحفّظ على المقارنة: لماذا لا ينبغي تداولها كما هي
الفارق المعلن بين الرقمين يقارب خمسة أضعاف. وهذا فارق يستحق التدقيق لثلاثة أسباب فنية.
أولاً، السيارتان مبنيتان وفق اللوائح الفنية نفسها. فجميع سيارات فورمولا 1 تخضع للائحة واحدة تحدد الأبعاد والمكونات وأنظمة القياس المسموحة. وفارق بخمسة أضعاف في طول الأسلاك بين سيارتين تحت اللائحة نفسها رقم غير متوقع.
وثانياً، الوزن في فورمولا 1 مسألة غرامات لا كيلوغرامات. فاللوائح تحدد حداً أدنى للوزن، وتعمل الفرق بجهد هندسي ضخم للوصول إليه لأن كل غرام إضافي فوقه يكلّف زمناً في اللفة. والأسلاك لها وزن، وكابلات بطول 16 كيلومتراً تمثل كتلة معتبرة. ولا يحمل فريق في هذه الرياضة وزناً إضافياً بلا ضرورة.
وثالثاً، وهو الأهم، الرقمان قد لا يقيسان الشيء نفسه. فطول الأسلاك يُحسب بطرق مختلفة: مجموع أطوال كل سلك منفرد داخل الضفائر، أو طول الضفيرة نفسها، أو الأسلاك في السيارة كاملة، أو في منظومة واحدة فيها. ويُضاف إلى ذلك أن سيارات الاختبار والتطوير تحمل حساسات إضافية تُزال في سيارة السباق.
وملاحظة على المصدر: الرقم صادر عن مادة تعريفية من جنرال موتورز نفسها لا عن قياس مستقل، أي أنه رقم تسويقي في سياق تسويقي.
ولهذا نورد الرقم كما أُعلن، ولا نبني عليه مقارنة بين الفريقين، لأن المقارنة بين رقمين لا نعرف أساس قياسهما لا تنتج معلومة. والمعلومة الحقيقية في هذا الخبر ليست في طول الأسلاك بل في ما تحمله.
ماذا تحمل هذه الأسلاك فعلاً؟
وهنا الجزء المفيد.
تنقل هذه الأسلاك قراءات حساسات تراقب:
- أداء المحرك ومخرجاته
- ضغط الإطارات
- سرعة تدفق الهواء حول السيارة
- تغيّر الاتجاه وحركة السيارة
وكل ذلك يُقاس بدقة الميلي ثانية، أي ألف قياس في الثانية الواحدة لكل حساس.
ولنوضح حجم هذا الأمر. سيارة بمئات الحساسات، كل منها يسجّل بهذا المعدل، تولّد كماً هائلاً من البيانات في كل لفة. والمهارة الحقيقية ليست في جمع هذه البيانات بل في تصفيتها. فالمهندس على جدار الحلبة يحتاج في أثناء السباق إلى قرار في ثوانٍ، لا إلى جدول بملايين القراءات. ولهذا تُبنى أنظمة تحليل تحوّل هذا السيل إلى عدد صغير من المؤشرات القابلة للقراءة الفورية.

قاعدتان على ضفتي الأطلسي
تذهب هذه القراءات إلى المهندسين في الحلبة، وإلى قاعدتي عمليات في موقعين:
| الموقع | الأهمية |
|---|---|
| سيلفرستون، إنجلترا | قلب ما يُعرف بـ”وادي رياضة السيارات”، حيث تتمركز معظم فرق فورمولا 1 وشركات الهندسة المغذية لها |
| شارلوت، كارولينا الشمالية | قلب رياضة السيارات الأميركية وصناعتها الهندسية |
وهذا الاختيار المزدوج ليس تفصيلاً إدارياً. فمعظم فرق فورمولا 1 تتمركز في محيط سيلفرستون لسبب عملي: تجمّع الخبرات وشركات التصنيع المتخصصة والعمالة المدرّبة في منطقة جغرافية واحدة، فيصبح الحصول على قطعة أو خبرة مسألة ساعات لا أسابيع.
وفي المقابل، شارلوت هي مركز الهندسة والتصنيع لرياضة السيارات الأميركية. وبناء كاديلاك قاعدة فيها إلى جانب سيلفرستون يعني محاولة الجمع بين ثقافتين هندسيتين، والاستفادة من قاعدة جنرال موتورز الصناعية في بلدها.
محاكي Driver-in-the-Loop: ما هو؟ وما وظيفة بوتاس فيه؟
تغذّي هذه البيانات أيضاً محاكي قيادة في شارلوت. وهذا القسم يستحق شرحاً لأن المحاكي في فورمولا 1 يُفهم خطأً باستمرار.
محاكي Driver-in-the-Loop ليس لعبة فيديو متقدمة.
إنه منصة يجلس فيها سائق حقيقي داخل قمرة مطابقة لقمرة السيارة، مثبّتة على نظام حركة يحاكي قوى التسارع والفرملة والجانبية. ويعمل هذا النظام على النموذج الرياضي الفعلي للسيارة الذي يستخدمه الفريق في حساباته، لا على نموذج تقريبي.
وعبارة Driver-in-the-Loop تعني حرفياً “السائق داخل الحلقة”، أي أن السائق البشري جزء من حلقة الحساب نفسها: النموذج يحسب سلوك السيارة، فيستجيب السائق، فتتغذى استجابته في الحساب، وهكذا. وهذا ما يميزه عن المحاكاة الحسابية البحتة التي تفترض سائقاً مثالياً.
وهنا تأتي وظيفة فالتيري بوتاس. يستخدم بوتاس المحاكي بعد السباقات لمقارنة إحساسه بالسيارة الحقيقية بإحساسه بالسيارة الافتراضية.
وهذا العمل اسمه “المعايرة” أو Correlation، وهو أهم عمل في المحاكي بالكامل.
ولماذا؟ لأن المحاكي لا قيمة له إلا بقدر تطابق نموذجه مع الواقع. فإن قال النموذج إن تعديلاً معيناً سيحسّن ثبات السيارة في المنحنى، ثم ثبت أن السيارة الحقيقية تتصرف بشكل مختلف، فكل القرارات المبنية على المحاكي تصبح مضلّلة. ومهمة السائق الأساسي هي تصحيح النموذج بإحساسه، لا مجرد التدريب على الحلبات.

القصة الأهم: من المحاكي إلى الحلبة في يوم واحد
وهذه أفضل مادة في الخبر، وتوضح كيف تعمل فورمولا 1 اليوم عملياً.
قبل جائزة ميامي الكبرى 2026:
اختبر سائق الدعم في المحاكي، إيدن برايس، ترقية افتراضية للتعليق.
وبعد أن اطمأن الفريق إليها، ساهم غريغ برايس، مدير التصميم والتصنيع في جنرال موتورز، في تصنيع القطع فعلياً.
وطار بها إلى ميامي في صباح اليوم التالي.
ولنتأمل هذا التسلسل: قطعة تعليق جرى تصورها واختبارها في برنامج محاكاة، ثم تصنيعها مادياً، ثم نقلها جواً عبر قارة، ثم تركيبها على سيارة تنافس في سباق، خلال نحو يوم واحد.
وهذا هو الفارق الحقيقي بين فورمولا 1 وأي رياضة أخرى: ليست سرعة السيارات فقط، بل سرعة دورة التطوير. فالفريق الذي يحوّل فكرة إلى قطعة على السيارة في أربع وعشرين ساعة يتطور أسرع من فريق يحتاج إلى أسبوع، وهذا الفارق يتراكم على مدى موسم كامل.
الخلاصة
رقم 16 كيلومتراً من الأسلاك عنوان جاذب، لكنه صادر عن مادة تعريفية من الشركة نفسها، والمقارنة المرفقة به مع فريق آخر لا تقوم على أساس قياس معروف، ولا ينبغي تداولها كمقارنة بين الفريقين.
وما يستحق القراءة في هذا الخبر شيء آخر: منظومة تقيس كل شيء بدقة الميلي ثانية، وتنقله إلى قاعدتين على ضفتي الأطلسي، وتغذّي محاكياً يجلس فيه سائق حقيقي ليصحّح نموذجاً رياضياً بإحساسه، ثم تُترجم كل ذلك إلى قطعة تعليق تُصنَّع وتُنقل جواً وتُركَّب على السيارة في أربع وعشرين ساعة.
هذه هي فورمولا 1 الحقيقية. والسيارة هي الجزء الظاهر منها فقط.
