
تكشف دراسة جديدة نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي (INSS) عن مراجعة نقدية لطريقة إدارة الاحتلال للحرب الممتدة منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مركزة على سؤال يتجاوز تقييم الأداء العسكري المباشر: هل كانت إسرائيل تعرف منذ البداية ماذا تريد أن تحقق، وكيف ستصل إلى ذلك، وبأي موارد، وضمن أي إطار زمني؟
ينطلق الباحث رون تيرا من قاعدة استراتيجية أساسية مفادها أن الحرب لا تُدار بالعمليات العسكرية وحدها، وإنما من خلال ترابط ثلاثة عناصر رئيسية: الأهداف، وطرق تحقيقها، والموارد اللازمة لذلك. فإذا لم تكن الغاية النهائية واضحة وقابلة للتحقق، فإن النجاح في العمليات العسكرية لا يضمن بالضرورة تحقيق نتيجة استراتيجية.
وهنا تكمن، وفق الدراسة، إحدى أبرز مشكلات إدارة الحرب الإسرائيلية وما نتج عنها من اختلالات واضحة.
غزة.. عمليات عسكرية بلا تصور واضح لليوم التالي
في قطاع غزة، حددت الحكومة الإسرائيلية أهدافًا من بينها إسقاط حكم حركة حماس، وتفكيك قدراتها العسكرية والتنظيمية، وإحداث تغيير أمني في القطاع، وتهيئة الظروف لاستعادة الأسرى.
لكن هذه الأهداف، بحسب تيرا، لم تتحول إلى تصور متكامل لليوم التالي. فإسقاط سلطة حماس يطرح مباشرة سؤال البديل: من يحكم غزة بعد ذلك؟ وكيف يُبنى نظام قادر على إدارة السكان والخدمات والأمن، ويحظى بدرجة من الشرعية المحلية والإقليمية والدولية؟
وبدون إجابة واضحة عن هذا السؤال، تحولت السيطرة العسكرية على مناطق رئيسية في القطاع إلى عمليات مؤقتة، أعقبتها انسحابات وعودة إلى عمليات عسكرية متكررة.
وهكذا أصبحت الحرب، في جانب منها، سلسلة من العمليات المنفصلة بدل أن تكون مسارًا متكاملًا يقود من الواقع القائم إلى واقع سياسي وأمني جديد.
وتنتقد الدراسة ما تصفه بنمط الإدارة القائم على «الديناميكي المتطور»، أي اتخاذ القرار بشأن الخطوة التالية بصورة متدرجة وفق تطورات الميدان.
ويقر تيرا بأن الحرب تتطلب المرونة والتكيف، لكن المرونة لا تعني غياب الغاية النهائية؛ إذ يمكن تعديل الوسائل أثناء الحرب، لكن من الصعب إدارة حرب طويلة من دون تحديد واضح للهدف، والموارد، والمدة، والنتيجة المراد الوصول إليها.
الزمن.. مورد استراتيجي جرى استنزافه
يبرز عامل الزمن باعتباره أحد أهم الموارد التي أخفقت إسرائيل، وفق الدراسة، في إدارته.
فإسرائيل دولة صغيرة تعتمد بدرجة كبيرة على قدرتها على خوض حروب قصيرة، بينما أدى استمرار الحرب إلى استنزاف عسكري واقتصادي وسياسي ودبلوماسي متزايد.
ومع مرور الوقت، لم تعد تكلفة الحرب محصورة في ساحات القتال، بل امتدت إلى العلاقات الدولية، والاقتصاد، والمجتمع، ومخزون الشرعية السياسية التي تحتاج إليها إسرائيل للاستمرار في إدارة أزماتها الإقليمية.
وبذلك لم يعد الزمن عنصرًا محايدًا في الحرب، بل تحول إلى عامل ضغط متزايد على إسرائيل، كلما طال أمد المواجهة وتعددت ساحاتها.
إيران.. ماذا بعد الضربة العسكرية؟
تظهر المشكلة بصورة مختلفة في إيران.
فبحسب الدراسة، لم تتبلور المواجهة مع طهران منذ البداية ضمن استراتيجية متكاملة، بل تطورت تدريجيًا من عمليات وردود متبادلة إلى مواجهات مباشرة، قبل أن تنتقل لاحقًا إلى عمليات أوسع.
لكن السؤال الذي يطرحه تيرا هنا هو: ما النتيجة السياسية التي كان يفترض أن تنتج عن الضربات العسكرية؟ وهل جرى إعداد مسار دبلوماسي يستثمر النتائج العسكرية لتحقيق هدف طويل الأمد؟
فالضربة العسكرية، مهما كانت مؤثرة، لا تمثل استراتيجية بحد ذاتها.
الاستراتيجية تبدأ من تحديد ما الذي تريد الدولة أن يكون عليه الوضع بعد انتهاء الضربة، ثم بناء الوسائل السياسية والدبلوماسية والاقتصادية اللازمة للوصول إلى ذلك الوضع.
ومن هنا، فإن قوة الضربة لا تُقاس فقط بحجم الأضرار التي تلحقها بالخصم، وإنما بقدرتها على إحداث تغيير مستدام يخدم الهدف السياسي الذي شنت من أجله.
لبنان.. غياب «نظرية الانتصار»
أما في لبنان، فتشير الدراسة إلى مشكلة أخرى تتمثل في عدم وضوح «نظرية الانتصار» الإسرائيلية.
فقد انتقلت إسرائيل تدريجيًا من احتواء التصعيد إلى عمليات أكثر اتساعًا، ثم إلى مواجهة عسكرية مباشرة، من دون أن يكون واضحًا دائمًا ما إذا كان الهدف هو إضعاف حزب الله، أو تغيير سلوكه، أو دفع الدولة اللبنانية إلى التعامل معه، أو فرض واقع أمني جديد على الحدود.
وهنا تتكرر المشكلة نفسها: نجاح العملية العسكرية لا يعني بالضرورة تحقيق النتيجة السياسية.
فإضعاف خصم مسلح قد يكون إنجازًا عملياتيًا، لكنه لا يصبح إنجازًا استراتيجيًا إلا إذا أدى إلى واقع أكثر استقرارًا يخدم أهداف الدولة على المدى الطويل.
من حرب على غزة إلى حرب متعددة الجبهات
تصل الدراسة في النهاية إلى أن إسرائيل دخلت الحرب وهي تفكر أساسًا في إدارة مواجهة مركزها غزة، لكنها وجدت نفسها أمام حرب متعددة الجبهات.
ومع اتساع ساحات المواجهة، برزت مشكلة إدارة الموارد، إذ استُهلكت موارد عسكرية وبشرية واقتصادية كبيرة على مدى سنوات من القتال، بينما لم تتبلور في المقابل نتائج نهائية مستقرة في عدد من الساحات.
والأخطر، بحسب القراءة التي يقدمها تيرا، أن الحرب لم تستنزف الموارد العسكرية فقط، بل استنزفت أيضًا موارد أخرى أكثر حساسية بالنسبة لإسرائيل، مثل الوقت، والاقتصاد، والعلاقات الدولية، والقدرة على المناورة السياسية، والاعتماد على الشركاء الخارجيين.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الذي تطرحه الدراسة لا يتعلق فقط بما إذا كان الجيش الإسرائيلي قد نجح أو أخفق في تنفيذ عملياته، وإنما بما إذا كان المستوى السياسي قد امتلك منذ البداية تصورًا واضحًا لما يجب أن تبدو عليه المنطقة بعد الحرب.
فالحرب، في المنظور الاستراتيجي، ليست سلسلة من المعارك المتتالية، وإنما وسيلة للوصول إلى وضع سياسي وأمني جديد.
وإذا غاب هذا الوضع عن التخطيط، تتحول العمليات العسكرية تدريجيًا إلى غاية في ذاتها، ويصبح استمرار الحرب أسهل من إنهائها؛ لأن كل عملية تخلق سؤالًا جديدًا بدل أن تقرّب الدولة من نقطة النهاية.
فائض القوة وعجز السياسة
تخلص الدراسة إلى نتيجة بالغة الأهمية: إن مأزق الاحتلال في هذه الحرب لم يكن نقصًا في السلاح، أو القوة النارية، أو القدرات التكنولوجية، بل في العجز عن تحويل هذه القوة إلى إنجاز سياسي واستراتيجي واضح.
فعندما تغيب الأهداف المحددة، ويغيب معها تصور واضح للنهاية، تصبح الحرب غاية في حد ذاتها، ويغدو الاستمرار فيها أسهل سياسيًا من إنهائها، لأن كل خطوة جديدة تفتح أسئلة أكثر مما تقرّب أصحاب القرار من خط النهاية.
ويكشف هذا الفحص النقدي أن حرب الإبادة وما رافقها من جبهات إسناد شكّلت اختبارًا قاسيًا لعقيدة الأمن الإسرائيلية برمتها، وكشفت عن فجوة عميقة بين فائض القوة العسكرية وعجز القيادة السياسية والعسكرية عن تحويلها إلى سياسة واضحة، وصياغة أهداف قابلة للتحقق، ورسم نهايات محددة للحرب.
فالمعضلة، وفق هذه القراءة، لم تكن في قدرة إسرائيل على خوض المعركة، وإنما في قدرتها على الإجابة عن السؤال الأصعب: كيف تنتهي الحرب، وإلى أي واقع تريد إسرائيل أن تصل؟
