
منذ أيام يُثير حضور فلسطينيين في حفل عمرو دياب بمدينة العقبة الأردنية جدلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي. فقد تداول الناس مقاطع الفيديو والصور، وبدأ النقاش يتصاعد حول حجم المشاركة وطبيعتها، وما الذي يمكن أن يعنيه هذا المشهد في هذه المرحلة.
ولم يقتصر الحضور وفق ما تداولته وسائل إعلام ومتابعون، على فلسطينيي الداخل الذين يسهل عليهم التنقل نسبياً بحكم التسهيلات المتاحة لهم مقارنة بغيرهم،وتوصيف كونهم يعيشون في بحبوحة من رغد العيش كشريحة تكثر من السفر والترحال ومظاهر الاسراف بالمقارنة مع شرائح أخرى كبلدات في الضفة الغربية المحتلة.
بل ظهر أيضًا مشاركون من الوالضفة الغربية، رغم تعقيدات المعابر والقيود المفروضة على الحركة.
هذا المزيج يجعل المشهد بحاجة إلى قراءة أوسع من مجرد الحديث عن حفل فني أو الحكم على المشاركين فيه. وربما يستحق الأمر دراسة أوسع لأنماط المعيشة لدى شرائح فلسطينية مختلفة، وكيف تتعامل هذه الشرائح مع واقع الحرب والقيود والضغوط الاقتصادية والاجتماعية المتواصلة.
تأتي هذه المشاركة في وقت يمر فيه الشعب الفلسطيني بأوقات هي من أشد مراحله قسوة؛ ففي غزة تستمر الحرب وما خلّفته من قتل ودمار، بينما يواجه الفلسطينيون في الضفة والوالداخل تضييقات متواصلة، من استيطان واعتقالات وقيود على الحركة وضغوط اقتصادية متراكمة.
هذا التناقض أثار استهجانًا واسعًا لدى كثيرين. فقد أظهرت المشاهد جانباً من الحياة يبدو وكأنه يعيش في عالم موازٍ؛ عالم السفر وحجز التذاكر والإقامة والترفيه، في الوقت الذي يتابع فيه الشارع العربي يومياً أخبار الحرب والقتل والدمار، وما يرافقها من أزمات متلاحقة في حياة الناس ومعيشتهم.
لكن هل يعني هذا الإنفاق أن الناس يعيشون في رخاء؟
المجتمع الفلسطيني ليس كتلة واحدة من الناحية الاقتصادية. هناك فئة ميسورة تستطيع تحمل تكاليف السفر والترفيه، وهناك شريحة واسعة بالكاد تؤمّن احتياجاتها الأساسية. وبين الطرفين، توجد طبقة تحاول اقتطاع جزء من دخلها، وقد تلجأ أحياناً إلى الاقتراض، لتوفير رحلة أو حضور مناسبة ترفيهية.
لذلك، فإن مشهد الحفل وحده لا يكفي للحكم على الواقع الاقتصادي للفلسطينيين.
أما في الجانب الاجتماعي فلطالما ارتبطت العادات والتقاليد الفلسطينية بالمشاركة في الحزن، فعند فقد جار أو قريب أو عزيز، يُعلن الحداد وتؤجل بعض الأفراح احترامًا للمصاب. وليست الدعوة هنا إلى إعلان حداد أو إلى إلغاء مظاهر الحياة، فالحياة تستمر حتى في أصعب الظروف، لكن السؤال هو: ماذا تغير في علاقتنا بالمآسي التي تصيب شعبنا؟ وهل أصبح الإنسان أكثر قدرة على فصل حياته اليومية عن المأساة الجماعية؟
أم أن جزءًا مما نراه يمكن فهمه باعتباره محاولة للهروب المؤقت من واقع ضاغط، أو ما يمكن تسميته بـ”التهريبة”؛ أي البحث عن مكان للراحة بعيدًا عن الحواجز والقيود والخوف والضغط النفسي المتواصل؟
وفي هذا السياق، لا يمكن فصل مشهد الحفل عن طبيعة المرحلة التي أقيم فيها. فالمسألة لا تتعلق بمجرد مناسبة فنية أو بقرار أفراد حضورها، وإنما بالسياق العام الذي تُقام فيه مثل هذه الفعاليات، وبالحفاوة التي تُمنح لها في وقت تتواصل فيه الحرب على غزة، وتتوالى الاعتداءات على الفلسطينيين في الوالضفة، ويبقى ملف الأسرى حاضراً بكل ما يحمله من ألم،وتستمر الاعتداءات اليومية في المسجد الأقصى.
وتزداد دلالة المشهد حين نقارنه بالفعاليات المرتبطة بالقضية الفلسطينية. فالسلطات الأردنية منعت فعالية “الفجر العظيم” التي دعت لها فعاليات شبابية في عدد من مساجد البلاد، كما مُنعت فعاليات ومسيرات تضامنية مع غزة وفلسطين في فترات مختلفة. ناهيك عن ملاحقة قيادات ونشطاء وقفوا مع غزة ، وحظر تنظيم الاخوان واعتقالات شملت نشطاء كزياد بحيص وكمال الجعبري وخالد الجهني.
هنا تظهر”سياسة الإلهاء” بقوة ووضوح فما الذي يُسهَّل ويُروَّج له، وما الذي يُمنع أو يُضيَّق عليه! وما الذي يُتاح للناس كي يجتمعوا حوله، وما الذي تصبح مساحته أضيق حين يرتبط بغزة أو الأقصى أو فلسطين!
أما الإعلام فلا يكتفي بنقل ما يحدث، بل يساهم في تشكيل المشهد العام من خلال ما يسلط عليه الضوء وما يتركه في الهامش. وعندما تحظى الحفلات والفعاليات الترفيهية بمساحات واسعة من التغطية والترويج، بينما يُقيَّد نشر فعاليات التضامن مع غزة والأقصى، فإن هذا التفاوت نفسه يستحق التوقف عنده.
ومن هنا، يصبح حضور الفلسطينيين في حفل العقبة جزءاً من مشهد أكبر. مشهد تتجاوز فيه الحرب والمآسي اليومية مع صور الاحتفال والترفيه.
وهذه التناقضات لا تتعلق باحتفال العقبة وحده، فمشاهد الازدحام في المطارات خاصةً لفلسطينيي الداخل خلال مواسم الأعياد لأغراض السفر والترفيه، ومقاطع الاحتفالات والغناء والرقص التي تظهر أحياناً في فلسطين، وصولاً إلى مشاهد تحدي الصواريخ واستمرار الغناء والرقص، بينما غزة ولبنان تشتعلان !
