
خاص يشغل الدكتور بدران بن الحسن منصب مدير مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية بجامعة قطر، وينشغل في أبحاثه وتدريسه بعدد من المجالات المتقاطعة، من بينها فلسفة التاريخ والحضارة، والدين والعلوم الاجتماعية، وتاريخ الأديان وحوارها، والدراسات البينية، إلى جانب تاريخ العلوم الإسلامية ومناهجها. كما يكتب وينشر في الفكر الإسلامي وقضايا النهضة الحضارية، ما يجعل اهتمامه بقضايا الإنسان والمجتمع والتغيير متصلًا بخلفية معرفية تجمع بين الفكر الإسلامي والعلوم الإنسانية والاجتماعية.
في قراءته للواقع الفلسطيني، ينطلق بن الحسن من أهمية فهم السنن التي تحكم تطور المجتمعات، ومن ضرورة الجمع بين إدراك أثر العوامل الخارجية والعمل على إصلاح مكامن الضعف الداخلية. ويستحضر في ذلك أفكار ابن خلدون ومالك بن نبي، خصوصًا ما يتصل بالعلاقات الاجتماعية، وعالم الأفكار، والوعي، ومناعة المجتمع في مواجهة الاستعمار ومحاولات تفكيك هويته.
في هذا الحوار الذي أجرته مارية محاجنة، يتناول بن الحسن مفهوم النهضة وعوائقها في الواقع الفلسطيني والعربي، وأثر الاحتلال والانقسام والأزمات الداخلية، ومفهوم “القابلية للاستعمار” عند مالك بن نبي، ودور التعليم والثقافة والأخلاق في بناء الإنسان وحماية الذاكرة والهوية. كما يتحدث عن إمكان بناء مجتمع فلسطيني أكثر تماسكًا، وعن المساحات المشتركة التي يمكن أن تلتقي عندها مختلف الجهود الفلسطينية.
ما المقصود بالنهضة؟ وما أبرز عوائقها في واقعنا الفلسطيني والعربي اليوم؟
النهضة بكل بساطة هي السعي للخروج من حالة الهامشية والتبطل والتبعية التي تعيشها أمتنا، وتحقيق شروط الريادة والشهادة في العالم. وهذا يقتضي السعي إلى إصلاح أوضاعنا وتغييرها بما يحقق عزة الأمة وتمكينها في مختلف أبعاد الوجود الحضاري بين الأمم.
ولذلك فالنهضة ليست مراكمة لمنتجات الحضارة، سواء أكانت أشياء أو أفكارًا، وإنما هي في جوهرها انتقال المجتمعات المسلمة من حالة الانفعال بالأحداث إلى حالة الفعل التاريخي؛ أي أن تصبح مجتمعاتنا المسلمة قادرة على إنتاج الأفكار، وتنظيم طاقاتها، وتوجيه مواردها نحو مشروع حضاري واضح.
وفي واقعنا الفلسطيني والعربي، لا يمكن رد تعثر النهضة إلى سبب واحد. فهناك الضغوط الخارجية المتمثلة في الاحتلال والاستعمار والتبعية والمنظومة الدولية المتوحشة بأشكالها المختلفة من جهة. ولكن من جهة أخرى، هناك أيضًا أمراض وأزمات داخلية تتعلق بغياب المشروع، وتراجع الفاعلية الاجتماعية، وضعف الثقة في ذاتنا الدينية والحضارية، وكذلك انقساماتنا الداخلية وفقدان الرؤية المشتركة للمستقبل.
غير أن العامل الخارجي، مهما كان قويًا وضاغطًا وخطيرًا، فهو عامل ثانوي يستثمر في ضعفنا الداخلي ومشكلاتنا الداخلية. فإذا استطعنا مواجهة العوائق الداخلية، فإن خطر العائق الخارجي يتضاءل حتمًا، لأنه لن يجد ما يستثمر فيه.
كيف تساعدنا أفكار ابن خلدون ومالك بن نبي على فهم واقع المجتمع الفلسطيني وتحدياته؟
تكمن أهمية ابن خلدون ومالك بن نبي في أنهما يوجهان نظرنا إلى السنن والقوانين الناظمة للاجتماع الإنساني، وعدم إهمال الفعل الإنساني في تغيير مصيره، وخاصة فيما يتعلق ببناء الوعي، وتشكيل شبكة العلاقات الاجتماعية وتقويتها، وتوجيه الجهود في اتجاه واحد وعدم تركها تتناقض فيما بينها.
كما أن ابن خلدون يعلمنا أن الدول والمجتمعات لا تضعف فقط بسبب الأعداء أو العوامل الخارجية، بل أيضًا حين تضعف العصبية الجامعة، وتغلب المصالح الجزئية على المصلحة العامة. وهذا المعنى مهم لفهم الانقسام الفلسطيني.
أما مالك بن نبي، فيلفت انتباهنا إلى أن كل نهضة تبدأ بإصلاح عالم الأفكار، لأن الأفكار هي التي تشكل الوعي والسلوك، وتوجه المؤسسات والمشاريع وتمنحها المضمون.
ولذلك فإن معركة الفلسطيني في جوهرها معركة إثبات الذات، وبناء الوعي، وصناعة سرديته التي تواجه سردية المشروع الصهيوني وتفككها؛ أي أن المعركة في جوهرها معركة على الوعي والمعنى والنموذج الحضاري، التي تنطلق منها جهود البناء والوعي.
ومن هنا فإن مشروع المجتمع الفلسطيني ليس الصراع مع الاحتلال فقط، بل ينبني أيضًا على قدرته على المحافظة على وحدته الاجتماعية، وعلى إنتاج الإنسان القادر على الصمود والإبداع وتحويل المعاناة إلى طاقة بناء. وهذا بالضبط ما يجعل القضية الفلسطينية قضية تحرر وقضية نهضة وبناء حضاري في الوقت نفسه.
في ظل الاحتلال، كيف نوازن بين أثر العوامل الخارجية والعوامل الداخلية في تعطيل النهضة؟
لا أرى تعارضًا بين الأمرين. فالاحتلال حقيقة موضوعية كبرى لا يمكن تجاهل أثرها العميق في حياة الفلسطينيين والعرب والمسلمين عمومًا، سواء في الاقتصاد أو التعليم أو الحياة الاجتماعية أو السياسية وغيرها. لكن الاعتراف بذلك لا يعني إعفاء الذات من مسؤولياتها.
إنما المشكلة تبدأ عندما يتحول العامل الخارجي إلى مشجب نعلق به إخفاقاتنا، ونسمح للمحتل أن يستثمر هذا، وأن يكون الاحتلال مدخل تفسير شامل لكل شيء، كما لا ينبغي أن يتحول النقد الذاتي إلى إنكار لواقع الاحتلال.
المطلوب هو الجمع بين الوعي بالمعوقات الخارجية، الاحتلال والمنظومة الدولية والإقليمية الداعمة له، وبين العمل الجاد على إصلاح الداخل من خلال بناء الإنسان والمجتمع الفلسطيني والعربي وضرورة تعزيز الصمود والثبات.
كيف يمكن فهم مفهوم “القابلية للاستعمار” عند مالك بن نبي في الحالة الفلسطينية؟
أول ما ينبغي التأكيد عليه هو أن مفهوم القابلية للاستعمار لا يعني تبرير الاستعمار أو تحميل الضحية مسؤولية ما وقع عليها. هذا فهم خاطئ لفكرة مالك بن نبي.
ففكرة القابلية للاستعمار عند بن نبي تعني تلك الشروط التاريخية المتراكمة التي هيأت الشعوب والمجتمعات والأمم لتقبل الهزيمة والتطبيع معها، والاعتقاد أنه لا فكاك منها، فتنشأ منها عقدة دونية ونقص نحو الاستعمار.
وعليه، فإن ما قصده بن نبي هو أن المجتمع يحتاج دائمًا إلى تحصين ذاته من هذه الحالة، من خلال بناء مناعته الحضارية. وفي الحالة الفلسطينية، حيث نتحدث عن استعمار استيطاني مباشر، يصبح السؤال الأهم: كيف نحافظ على عناصر القوة الداخلية؟ وكيف نحافظ على الشعور بالذات وعدم الانسحاق أمام المحتل؟ حتى نمنع الاحتلال من تحقيق أهدافه في تفكيك المجتمع أو إضعاف إرادته؟
بمعنى آخر، جوهر الفكرة هنا هو البحث في شروط الصمود الحضاري في مختلف المجالات؛ في التعليم والثقافة والوعي ورأس المال الاجتماعي، والقدرة على حماية الهوية الوطنية الفلسطينية من التآكل والانهيار.
ما دور الإنسان الفلسطيني في بناء الوعي والصمود؟ وما علاقة التعليم والثقافة والأخلاق بذلك؟
في تقديري، الإنسان هو القضية المركزية في أي مشروع نهضوي. فقد نمتلك الموارد والمؤسسات، لكن قيمة كل ذلك تبقى مرتبطة بنوعية الإنسان الذي يديرها؛ الإنسان الرسالي الذي يعي ذاته ويعي خارطة القوى الحضارية في العالم، ويتعامل معها بسننية كاملة وليس بالأمنيات غير المؤسسة على علم وعمل.
لقد برهن الفلسطيني خلال عقود طويلة على قدرة استثنائية في الصمود، لكن المحافظة على هذا الصمود وتطويره تتطلب استثمارًا مستمرًا في بناء الإنسان.
والتعليم مدخل أساسي ومركزي في بناء شخصية الفلسطيني المرتبط بأرضه ووطنه ودولته وتاريخه ومستقبله. فبالعلم نستطيع أن ندحض سردية الاحتلال الصهيوني التي يريد من خلالها تحريف الحقيقة التاريخية والدينية، ويريد من خلال مناهج التعليم صياغة شخصية مهزوزة فاقدة للوعي التاريخي والهوياتي. ولهذا فالتعليم مشروع مركزي رغم الإكراهات التي يواجهها أمام الاحتلال.
والأمر نفسه يقال عن الثقافة التي هي المحيط الذي تتشكل فيه قيم وسلوك وذوق وهوية الإنسان ومهاراته، وبها نحفظ شخصيتنا الفلسطينية ونحمي ذاكرتنا وهويتنا الجمعية من الذوبان.
أما الأخلاق فهي جوهر الإنسان، وأي انتصار مبدؤه الانتصار الأخلاقي، سواء في مستوى القيم العالمية أو في مستوى الأخلاق العملية اليومية. وقد برهن الشعب الفلسطيني أنه يملك قيمًا أخلاقية عصية على الاستثمار من قبل الاحتلال، بل الاحتلال هو الذي يعاني من إخفاق أخلاقي جعله ملاحقًا أمام المحاكم الدولية وأمام ضمائر الشعوب الحية وفي المحافل الدولية في مختلف المستويات السياسية والثقافية والحقوقية والرياضية وغيرها، والواقع خير دليل على ذلك، وخاصة خلال السنوات الثلاثة الأخيرة.
هل يمكن للمجتمع الفلسطيني أن يحقق نهضة في ظل الانقسام والأزمات والاحتلال؟ وما الشروط اللازمة لذلك؟
نعم، أعتقد أن ذلك ممكن، لأن النهضة عملية تراكمية طويلة. والتجربة الفلسطينية نفسها تقدم شواهد مهمة؛ فبرغم الاحتلال والأزمات المتكررة، استطاع الفلسطينيون بناء مؤسسات تعليمية وثقافية وعلمية، والحفاظ على مستوى ملحوظ من الحضور المعرفي والمهني داخل فلسطين وخارجها.
والأهم من هذا كله أن هناك قضية تحرير الأرض المباركة، واسترجاع سيادة الشعب الفلسطيني على أرضه التاريخية وعودة الإليه. وهذا محفز بالغ الأهمية، ومصدر لحشد الطاقات والقوى الوطنية على اختلاف مشاربها وأيديولوجياتها، لأن الجميع متفق على الوطن والمات.
لكن استمرار هذا المسار وضمان أن هذا المحفز يؤتي ثماره في تحقيق نهضة فلسطين واستعادتها حريتها يتطلب شروطًا أساسية، من أهمها التمسك بالثوابت الجامعة، وتعزيز الوحدة الوطنية والتماسك المجتمعي الفلسطيني، وبناء رؤية استراتيجية مشتركة للمستقبل، والحرص على تخريج قيادات للمجتمع الفلسطيني حتى لا ينضب معين القيادات القادرة على مطاولة الاحتلال.
ما الذي يمكن أن يشكل أرضية مشتركة تجمع الفلسطينيين وتدعم بناء مجتمع أكثر تماسكًا وقدرة على النهوض؟
لا أرى ما يجمع الفلسطينيين كقضية التحرر من الاحتلال والنضال ضد الاحتلال بكل الوسائل المشروعة. ومهما اختلف الفلسطينيون فإنهم لن يختلفوا على هذا.
وإن كان الاحتلال، كما يقول مالك بن نبي، قد يمارس أساليب الصراع الفكري في قتل المشاريع والأشخاص والأفكار في فلسطين أو ممن هو مهتم بفلسطين، لكن في الشعب الفلسطيني وفي الأمة العربية والإسلامية، وفي العالم، من الوعي ما يفشل مساعي الاحتلال.
وأرى أن ما يسهم أيضًا في جمع الفلسطينيين وتدعيم بناء مجتمع متماسك وقادر على النهوض هو التكامل بين الجهود، وتقدير التنوع في أساليب البناء والنضال، وعدم ازدراء أي جهد أو أي نوع من العمل الذي يخدم القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني.
وكذلك استثمار ما حدث في السنوات الثلاث الأخيرة من تدمير وحرب وحشية على الشعب الفلسطيني في إسماع صوت النضال الفلسطيني للعالم. وشعوب العالم أثبتت، في زمن الثورة المعلوماتية، أنها لم تعد رهينة للسردية الصهيونية التي تقوم على توظيف أجهزة الإعلام الكبرى والمؤسسات الدولية، حيث صارت وسائل التواصل الاجتماعي توصل القضية الفلسطينية إلى كل العالم وتجعل أحرار العالم يدركون حق الشعب الفلسطيني في الحرية والنهضة والتمكين من دولته المستقلة.
في ختام الحوار، ما الكلمة التي تود إضافتها حول النهضة وبناء الإنسان والمجتمع الفلسطيني؟
أود أن أؤكد أن النهضة تبدأ بالإنسان الواعي صاحب الرسالة، القادر على التمسك بأرضه وتاريخه وهويته، والمبادرة إلى العمل وبناء الوطن مهما طال الاحتلال.
فالاحتلال قد يقيد الأرض، لكنه لا يستطيع احتلال الإرادة إلا إذا استسلم الإنسان من داخله. لذلك تبقى معركة الفلسطيني معركة تحرر وبناء إنسان قادر على المعرفة والعمل والصبر والإبداع والمقاومة.
وإذا كانت لكل نهضة نقطة بداية، فهي أن يؤمن المجتمع بقدرته على الفعل، وينتقل من انتظار التغيير إلى صناعته.
