
كانت انتفاضة الوالأقصى التعبير الأسمى للمشاركة السياسية لفلسطينيو الداخل، هنا كانت الممارسة السياسية في أوجها، في هذه الانتفاضة تمت ممارسة العمل السياسي بأبهى صوره من الشعب، كل الشعب(اسفي على جيل اليوم الذي لا يعلم من ممارسة السياسة سوى الإدلاء بصوته).
وَشكلت هذه الانتفاضة منحىً كبير جدا في تعامل المؤسسة الاسرائيلية مع المجتمع العربي، لان مثل هذا المجتمع ومثل هذا التنظيم ومثل هذه القيادة تُشكّل خطراً كبيراً جدا على سياسيات الدولة ويهودية الدولة، فقامت بعدة إجراءات بعدها لتمنع هذه الخطورة.
فقامت المؤسسة باتباع ثلاث سياسات أساسية لتفكيك المجتمع العربي:
الأولى: تحريم العمل السياسي، والقصد هنا العمل السياسي القادر على الحشد، فقد اتهمت كلاً من الشيخ رائد صلاح والنائبين السابقين عزمي بشارة وعبدالمالك دهامشة، كانت تهمتهم بانهم محرضون وارهابيون، فقط لانه بمقدورهم حشد وتعبئة الجماهير، فلفقت للشيخ رائد التهم وتم زجّه بالسجن، وتم تحييد الاخريين بطرق اخرى.
الثانية: الاقتصاد الليبرالي، وهي انه تم فتح مجال التقدم للمواطن العربي، فأصبحنا نرى عرباً في مناصب مرموقة جداً، مدراء مستشفيات، مدراء لشبكة بنوك، مدراء أقسام في مستشفيات، محاضرون بأعلى المستويات، وحتى عميدة جامعة، للمقارنة هذه المناصب تقريبا كانت حكراً على المجتمع اليهودي. وحصل ايضا تدفق الاموال بشكل غير طبيعي وأصبحنا نرى العديد من الشركات العربية وازداد عدد رؤوس الاموال بشكل كبير جداً، ولا ننسى ان البنوك ترحب وتهلل بالناس لأخذ القروض للبقاء تحت وطأة الدّيْن. والركض لاهثا خلف السداد.
الثالثة: اغراق المجتمع بعصابات الإجرام وغض الطرف عما يقومون به، ولم يعد سراً تعاون عصابات الجريمة المنظمة مع اذرع الامن. وضمن عمل هذه الجهات إعطاء قروض مالية لمن يرفضه البنك، تتمة للنقطة السابقة.
والنتيجة التي حصلنا عليها اليوم، انحسار عمل الاحزاب لعمل تمثيلي بدل تنظيمي، ومهمة الاحزاب تاريخيا هي تنظيم المجتمع ونشله نحو الأفضل، فأمسينا نرى أحزابا تتصارع على تركيبة وعدد المقاعد، بدل ان تتصارع على كيفية النمو بالمجتمع.
عصابات الإجرام تنخر في مجتمعنا حتى بات الطفل يسمي هذا وذاك بالاسم والكنية وطبيعة العمل ومنطقة النفوذ…
وختاماً في ذكرى هبة الوالأقصى، نستعيد لحظة فارقة كشفت عن قدرة مجتمعنا على النهوض والتأثير، لكنها أيضاً كشفت حجم التحديات التي وُضعت أمامه لكبح هذا النهوض. لقد واجه الفلسطينيون في الداخل سياسات ممنهجة هدفت إلى تفكيكهم، وتحويلهم من قوة فاعلة إلى أفراد منشغلين بذواتهم، محاصرين بين وهم التقدم الفردي وسُعار الجريمة المنظمة. ومع مرور السنوات، تراجعت الممارسة السياسية من كونها فعلًا جماهيريًا إلى تمثيل شكلي، وتآكلت الروح الجماعية لصالح مصالح ضيقة ومناصب فارغة من المعنى. لكن رغم هذا الواقع، تبقى ذكرى الهبة تذكيرًا بأن في هذا الشعب طاقة كامنة قادرة على التغيير، إذا ما استُعيدت البوصلة، وتوحدت الإرادة، وخرج المثقف من برجه العاجي ليكون في قلب المعركة، لا على هامشها.
