
تتوسع إجراءات الاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية لتشمل مختلف جوانب الحياة الفلسطينية، من الاعتقالات وملاحقة المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي إلى هدم صروح الشهداء وإزالة الأعلام والرموز الوطنية، في مسار يثير مخاوف من فرض قيود متزايدة على حرية التعبير والعمل السياسي والاجتماعي.
وتأتي هذه الإجراءات تحت عنوان «مواجهة التحريض»، بالتزامن مع استمرار حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، وسط انشغال الاهتمام الدولي والإعلامي بتطورات الحرب. وفي المقابل، تتواصل حملات الاعتقال والتحذير والملاحقة في البلدات والمدارس، لتطال مواطنين من مختلف الفئات، على خلفية مواقفهم ومنشوراتهم وتعبيرهم عن القضايا الوطنية.
ولا تقتصر هذه السياسة على استهداف الأفراد، بل تمتد إلى الرموز التي تجسد الذاكرة الوطنية الفلسطينية، من خلال هدم النصب التذكارية للشهداء، وإزالة الأعلام واللافتات، وتوزيع ملصقات تحذيرية. ويرى حقوقيون وأكاديميون أن هذه الممارسات تتكامل في إطار توسيع السيطرة على المجال العام، وتقييد المساحات المتاحة للتعبير السياسي والاجتماعي.
«التحريض» ذريعة لملاحقة الفلسطينيين
منذ بدء حرب الإبادة الجماعية على قطاع غزة، اتسع نطاق الاعتقالات التي تنفذها سلطات الاحتلال على خلفية ما تسميه «التحريض»، لتشمل نساءً وأطفالًا وأسرى محررين وصحفيين وناشطين، وفق مؤسسات حقوقية فلسطينية.
وتشير هذه المؤسسات إلى أن تعريف الاحتلال للتحريض اتسع بصورة فضفاضة، بحيث بات يشمل منشورات تعبّر عن التضامن مع الشهداء والأسرى، أو الحزن على ما يتعرض له الفلسطينيون في قطاع غزة، حتى في غياب دعوات مباشرة إلى العنف.
ويتيح هذا التوسع، بحسب المؤسسات الحقوقية، ملاحقة أشكال متعددة من التعبير عن الرأي والمواقف السياسية والوطنية، في ظل تشدد المحاكم العسكرية في التعامل مع هذه القضايا، وإصدار أحكام بالسجن قد تصل إلى عشر سنوات.
ولا تتوقف تداعيات هذه الملاحقات عند الاعتقال والمحاكمة، إذ تسهم في نشر الخوف والرقابة الذاتية، وتدفع المواطنين إلى الحذر في التعبير عن آرائهم خشية التعرض للتحقيق أو السجن. كما تضيق مساحة تداول الرواية الفلسطينية والتعبير عن القضايا الوطنية في المجال العام.
وفي المقابل، تتواصل تصريحات تحريضية صادرة عن مسؤولين إسرائيليين بحق الفلسطينيين، دون محاسبة مماثلة، وفق ما تشير إليه مؤسسات حقوقية، ما يثير تساؤلات بشأن ازدواجية المعايير في التعامل مع الخطاب السياسي.
استهداف الرموز الوطنية وفرض السيطرة
بالتوازي مع ملاحقة المنشورات، تستهدف إجراءات الاحتلال الرموز الوطنية الفلسطينية، عبر هدم صروح الشهداء والنصب التذكارية، وإزالة الأعلام واللافتات، إلى جانب توزيع ملصقات تحذيرية في البلدات والمدارس ومداهمتها.
وتعكس هذه الممارسات اتساع نطاق التدخل في الحياة العامة، إذ لم تعد السيطرة مقتصرة على الأرض وحركة المواطنين، بل امتدت إلى الرموز التي يعبّرون من خلالها عن هويتهم الوطنية، والمساحات التي يمارسون فيها أنشطتهم الاجتماعية والسياسية.
ويرى أكاديميون أن هذه الإجراءات تستهدف تقليص مساحة التعبير الوطني، وخفض سقف المطالب السياسية الفلسطينية، وإزالة المظاهر المرتبطة بالذاكرة الجماعية، بما ينعكس على قدرة المجتمع على الحفاظ على روايته الوطنية ونقلها بين الأجيال.
كما تتزامن هذه الممارسات مع تصاعد نفوذ التيارات اليمينية المتطرفة داخل المجتمع الإسرائيلي، وهو ما ينعكس في سياسات تستهدف الفلسطينيين ورموزهم الوطنية ومناهجهم التعليمية، وفق قراءات أكاديمية لهذه التطورات.
وفي هذا السياق، تتكرس السيطرة الإسرائيلية الفعلية على جوانب متعددة من الحياة الفلسطينية في الضفة الغربية، دون إعلان رسمي عن ضمها. ويثير ذلك مخاوف من فرض واقع جديد تتوسع فيه السيطرة على الأرض والمجتمع، مع تجنب التداعيات السياسية والدبلوماسية التي قد تترتب على إعلان الضم رسميًا.
مخاوف من استعادة أدوات الحكم العسكري
ويحذر حقوقيون وأكاديميون من أن تراكم الاعتقالات وملاحقة المنشورات وهدم الرموز الوطنية قد يحوّل الإجراءات الحالية إلى نهج دائم للسيطرة على المجتمع الفلسطيني، بدلًا من بقائها تدابير مرتبطة بظرف أمني مؤقت.
وتستحضر هذه المخاوف بعض سمات الحكم العسكري الذي فرضه الاحتلال على الفلسطينيين داخل أراضي عام 1948، واستمر حتى عام 1966، حين خضعوا لقيود واسعة على الحركة والنشاط السياسي والحياة العامة، إلى جانب الرقابة الأمنية.
ولا تعني هذه المقارنة تطابق الظروف التاريخية، لكنها تبرز المخاوف من اتساع أدوات الرقابة والقمع وتحولها إلى آليات مستمرة لضبط المجتمع وتقييد نشاطه السياسي والاجتماعي.
وبين الاعتقال بسبب المنشورات، واستهداف الرموز الوطنية، والتضييق على المساحات العامة، تتشكل صورة أوسع لسياسة تتجاوز السيطرة الميدانية إلى التأثير في أشكال التعبير عن الهوية والذاكرة والموقف الوطني الفلسطيني.
ويكمن التحدي في أن تتحول هذه الإجراءات المتراكمة إلى واقع دائم يضيّق حرية التعبير والعمل السياسي، ويحدّ من قدرة الفلسطينيين على تنظيم نشاطهم العام والحفاظ على حضور روايتهم الوطنية في مواجهة محاولات طمسها.
