
قلقيلية – لم يعد موسم الزيتون في قرى قلقيلية مجرد موعد زراعي تنتظره العائلات كل عام، بعدما أصبح الوصول إلى الأشجار وجمع ثمارها محفوفًا بالاعتداءات والمخاطر، في ظل تضييق الاحتلال واستمرار هجمات المستوطنين على المزارعين وأراضيهم.
في إماتين، دفع المزارع محمد غانم، البالغ 60 عامًا، ثمن وصوله إلى أرضه لإكمال موسم القطاف، بعدما هاجمه مستوطنون ملثمون أثناء وجوده برفقة ثلاثة من أقاربه في المنطقة الشرقية من القرية.
ويقول غانم إنهم كانوا قد بدأوا العمل بصورة طبيعية، بعد أن رصدتهم طائرة مسيّرة للاحتلال في اليوم السابق، قبل أن يفاجأوا في اليوم التالي بمجموعة من المستوطنين تهاجمهم بالعصي والحجارة.
فرّ أقارب غانم من المكان بعد تعرضهم للضرب، بينما بقي محاصرًا من قبل المستوطنين الذين واصلوا الاعتداء عليه، وركزوا الضرب على رأسه، إلى أن وصل عدد من أهالي القرية لمساعدته، ما دفع المعتدين إلى الانسحاب.
نُقل غانم إلى مستشفى العربي التخصصي في نابلس، حيث أظهرت الفحوص إصابته بنزيف داخلي في الدماغ، في إصابة جعلت حالته الصحية خطرة قبل أن تستقر لاحقًا بعد تلقي العلاج.
ولا يزال أثر الاعتداء حاضرًا لدى غانم، الذي يقول إن خوفه من العودة إلى أرضه أصبح أكبر من أي موسم سابق، فيما فقد محصوله الذي كان يشكل موردًا أساسيًا لعائلته. وتبلغ مساحة أرضه خمسة دونمات، وكانت تنتج نحو 200 كيلوغرام من الزيت سنويًا.
ولا يقتصر القلق على عائلة غانم؛ فبحسب مجلس قروي إماتين، تواجه نحو 40 عائلة مخاوف متزايدة من الوصول إلى أراضيها، بينما توجد قرابة 300 دونم مزروعة بالأشجار بالقرب من موقع الاعتداء، ولا يزال أصحابها ينتظرون فرصة قطف محاصيلهم.
المحصول هدف للاعتداء
المشهد ذاته يتكرر في جيت، لكن بصورة مختلفة؛ إذ لم تقتصر الخسارة هذه المرة على منع المزارعين أو الاعتداء عليهم، بل امتدت إلى محصولهم ومعداتهم.
هاشم عرمان، وهو في الثلاثينات من عمره، أمضى يومين في جمع الزيتون من أرضه في منطقة “وجه جرفا” جنوب شرقي القرية، قبل أن يتحول اليوم الثالث إلى مواجهة مع مستوطنين.
وبحسب روايته، حاصر المستوطنون المزارعين أثناء استعدادهم لمغادرة الأرض، وهددوهم بالسلاح، قبل أن يستولوا على ما جمعوه من محصول وعلى معدات القطف.
ويقدر عرمان ما سُرق بنحو 30 كيسًا من الزيتون، إضافة إلى معدات زراعية، قبل نقل المحصول من المكان بواسطة مركبة “تندر”.
وتزيد طبيعة موقع جيت من حجم المخاطر التي يواجهها سكانها؛ فالقرية تحيط بها ثماني بؤر استيطانية، فيما لا تفصل أقربها عن أطراف القرية سوى نحو 200 متر.
ويقول المجلس القروي إن نحو 10 آلاف مستوطن يعيشون في محيط القرية، بينما تمتد الأراضي المزروعة بالزيتون على نحو 3 آلاف دونم، بينها قرابة ألف دونم تقع بمحاذاة البؤر الاستيطانية، وتشكل مصدر دخل لنحو 80 أسرة.
الوصول إلى الأرض.. معركة بحد ذاتها
وفي كفر قدوم، لا يحتاج المزارع بالضرورة إلى التعرض لاعتداء مباشر كي يخسر موسمه؛ إذ يكفي أن تُغلق الطرق وتُفرض القيود حتى تصبح عملية الوصول إلى الأرض مهمة شاقة.
المزارع وسيم شتيوي يملك 18 دونمًا تبعد نحو 500 متر عن تجمع “قدوميم”، لكنه يقول إن قوات الاحتلال تمنعهم منذ أربعة أعوام من الوصول إليها بصورة طبيعية خلال موسم الزيتون.
وخلال العام الجاري، ازدادت الصعوبات مع إقامة بؤرة استيطانية جديدة في المنطقة، بالتزامن مع تجريف الطريق الترابية التي يستخدمها المزارعون للوصول إلى أراضيهم.
ويقول شتيوي إن عائلته لم تتمكن خلال السنوات الماضية من الاستفادة من أرضها بالشكل المعتاد، ما راكم خسائر مالية تقدر بنحو 1.5 مليون شيقل، بعدما كانت الأرض مصدر رزق لنحو ست عائلات.
كما يشير إلى أن مشروعًا لاستصلاح الأراضي حصل عليه المجلس القروي عام 2023، بتمويل بلغ 24 مليون دولار، لم يتمكن من تحقيق أهدافه نتيجة إجراءات الاحتلال.
ومع ذلك، تمكن شتيوي مؤخرًا من الوصول إلى أرضه لساعات محدودة بعد التنسيق مع الجهات المختصة، وبعدد أقل من أفراد عائلته المسموح لهم بالدخول.
ويقول إن الوصول إلى الأرض، حتى في هذه الظروف، يبقى ضرورة لا خيارًا، مؤكدًا تمسكه بها باعتبارها إرثًا عائليًا يتجاوز قيمتها الاقتصادية.
وبحسب مجلس قروي كفر قدوم، تعيق إجراءات الاحتلال وصول نحو 200 مزارع إلى أكثر من 4 آلاف دونم مزروعة بأشجار الزيتون.
الزيتون بين الرزق والوجود
تكشف الحالات الثلاث في إماتين وجيت وكفر قدوم عن وجوه مختلفة لمعاناة المزارعين في قلقيلية؛ اعتداء جسدي قد ينتهي بإصابة خطرة، أو سرقة لمحصول جُمع على مدار أيام، أو قيود تجعل صاحب الأرض عاجزًا عن الوصول إليها.
ورغم اختلاف التفاصيل، تبقى النتيجة واحدة: موسم زراعي يتحول إلى اختبار يومي لقدرة المزارعين على الوصول إلى أراضيهم وحماية محصولهم.
ومع بدء موسم القطاف، لا تزال الأشجار تنتظر أصحابها، فيما يحاول المزارعون استعادة ما يستطيعون من موسمهم، مدفوعين بالحاجة إلى المحصول وبالارتباط بالأرض التي توارثوها جيلًا بعد جيل.
في قلقيلية، لم يعد قطف الزيتون مجرد جمع للثمار؛ بالنسبة لكثير من العائلات، أصبح الوصول إلى الشجرة نفسها فعلًا من أفعال التمسك بالأرض.
