حيفا، 18 أيلول/سبتمبر 2026 – تمت إقامة الجلسة السنوية التاسعة والعشرين للجماعة الإسلامية الأحمدية في الديار المقدسة يومي الخميس والجمعة في مدينة حيفا، بحضور رئيس دولة إسرائيل، يتسحاق هرتسوغ، ورئيس بلدية حيفا يونا ياهف، بالإضافة إلى رجال دين وأكاديميين وأعضاء كنيست، ورؤساء بلدية سابقين، ونشطاء في الثقافة والمجتمع. كما حضر عدد من السفراء والضيوف الأجانب.
وشهد اليوم الثاني حضور وفد من الأردن برئاسة السيد غانم غانم، رئيس الجماعة في المملكة الهاشمية، بالإضافة إلى وفد كبير من الضفة الغربية.
عُقدت الجلسة تحت عنوان “نموذج ميثاق المدينة – بين النبي محمد ﷺ واليهود”، وهو وثيقة أعدها النبي صلى الله عليه وسلم عام 622 م، لتنظيم العلاقات والحقوق والواجبات لكل سكان المدينة المنورة بما في ذلك المسلمون واليهود والنصارى وغيرهم، مُعتبرة هذه المجموعة المتنوعة أمة واحدة. وقد أسهم هذا الميثاق في خلق حياة مشتركة عادلة وعلاقات صحية بين جميع المكونات لفترة تقارب 13 قرنًا، وفقًا لشهادات عدد من المؤرخين اليهود.
وبناءً على ذلك، تناولت الجلسة تجربة ميثاق المدينة وما يمكن أن تقدمه من محتوى للتفكير في قضايا العيش المشترك، والعلاقات بين المجتمعات المختلفة، والمسؤولية الجماعية، ودور الدين في بناء السلام.
أبرز فعاليات اليوم الأول:
من ميثاق المدينة إلى واقعنا المعاصر
تضمن المؤتمر محاضرتين رئيسيتين تناولتا ميثاق المدينة من زوايا تاريخية ومعاصرة.
قدم المحامي إيقان شمس محاضرة بعنوان “صحيفة المدينة نموذجًا للمواطنة المشتركة- قراءة تاريخية وواقعية”، حيث استعرض الخلفية التاريخية للميثاق وما يمكن استخلاصه من مبادئه لفهم العلاقات بين المجتمعات المختلفة.
كلمة أمير الجماعة
ألقى الأمير محمد شريف عودة، أمير الجماعة الإسلامية الأحمدية في الديار المقدسة، كلمة تناول فيها قضايا السلام والعدل والعيش المشترك، مشيرًا إلى كيف يمكن لمبادئ ميثاق المدينة أن تعزز العلاقات بين المسلمين واليهود وتدعم النسيج الاجتماعي في مجتمعنا المتنوع.
ركز شريف في كلمته على أربعة مبادئ أساسية:
السلام المستدام لا يُفرض بالقوة
فالسلام المعتمد على القوة وحدها قد يكون مؤقتًا، في حين أن السلام المستدام يعتمد على الثقة والمحبة وإقامة العدل، حتى تجاه من يُعتبر خصمًا أو عدوًا.
الدين ليس وسيلة للإكراه أو فرض التفوّق
وفي تناول النموذج الذي أرسته قيادة رسول الله صلى الله عليه وسلم في المدينة، شدّد عودة على مبدأ “لا إكراه في الدين”، مؤكدًا أن ليس من حق شخص فرض معتقداته أو أسلوب حياته على الآخرين.
قدسية الإنسان قبل قدسية الحجر
ودعا شريف إلى تعزيز مكانة الإنسان وحياته، مشيرًا إلى أن البعض قد يقدسون الحجر على حساب الإنسان، في حين أن الإنسان هو الأحق بالأولوية.
الارتباط بالأرض استحقاق ومسؤولية أخلاقية في آن واحد
توجه الأمير إلى أبناء الشعبين، مستندًا إلى ما ورد في التوراة والقرآن، موضحًا أن العلاقة بالأرض ليست مجرد حق، بل تتطلب التزامًا بالعدل والمساواة والابتعاد عن الظلم.
أشار في كلمته إلى تحذيرات التوراة من سوء معاملة الغريب، مستشهدًا بعدد من الآيات التي تحض على التعامل الإنساني مع الآخرين.
وأكد على أن عطايا الله مشروطة بالالتزام واجتناب الظلم، مستشهدًا ببعض الآيات القرآنية حول هذا المعنى.
كلمة رئيس الدولة
ألقى السيد يتسحاق هرتسوغ رئيس الدولة كلمة خلال المؤتمر تناول فيها أهمية اللقاء بين أتباع الديانات المختلفة، وأشاد بقيم السلام والتسامح التي تقترحها الجماعة الإسلامية الأحمدية، ودورها في تعزيز الحوار اليهودي-الإسلامي القائم على الاحترام.
قال هرتسوغ:
“إنه لمن المميز أن نرى كيف نجتمع هنا بروح من الحب والأخوة والسلام، لنتحاور حول الفكر والقضايا الدينية. أتمنى لو كان العالم بأسره ينظر إلى هذا اللقاء.
كل دين يسعى لضوء يجمع بين التراث والتجديد. والجماعة الأحمدية، بعدد أتباعها، تمثل نموذجًا يسعى لتقديم قيم السلام والتسامح والعدل والنزاهة في الإسلام عبر التواصل الفعلي مع كافة الطوائف والأديان.
هناك حوار مستمر بين اليهود والمسلمين في مناطق مختلفة من الشرق الأوسط، وهي تقوده الجماعة الأحمدية وعديد من الأطراف الأخرى. إنها حوار جريء يهدف لتعزيز الاحترام والتعامل مع الاختلاف بشجاعة ووعي.
أصوات من أجل السلام والعيش المشترك
تحدث أيضًا خلال المؤتمر رئيس بلدية حيفا يونا ياهف، والشيخ توفيق حلبي، وسفير الهند لدى إسرائيل، والبروفيسور شمعون شطريت، حيث تناولوا أهمية العيش المشترك، والحوار بين الأديان، والشراكة والاحترام المتبادل.
وقال ياهف:
“هناك أماكن تتحدث عن العيش المشترك، وهناك أماكن تعيشه فعلاً. حيفا هي واحدة من تلك الأماكن التي تعيش هذه التجربة.”
أضاف أن الجماعة الإسلامية الأحمدية تلعب دور جسر بين الناس والمعتقدات والأديان.
ووصف الشيخ توفيق حلبي أبناء الجماعة بأنهم “جسر للسلام والأمل”، مشيرًا إلى أن رسائل الجماعة تدور حول “المصالحة والشراكة ومحبة الإنسان”.
أما سفير الهند، فقد أشار إلى شعار الجماعة “الحب للجميع، ولا كراهية لأحد”، واعتبره مبدأ يستحق أن يكون جزءًا من رؤيتنا للعالم.
بدوره، عرض البروفيسور شمعون شطريت أربعة عناصر لثقافة السلام، مشددًا على أن تكاملها يسهم في بناء سلام دائم.
من الإيمان إلى المسؤولية المشتركة: دور الدين في بناء السلام
وتضمنت الأمسية حلقة نقاش بعنوان “من الإيمان إلى المسؤولية المشتركة- دور الدين في بناء السلام”.
أدار الحلقة البروفيسور أوريئيل سيمونسون، المدير المؤسس لدفيئة حيفا لدراسة الأديان في جامعة حيفا، بمشاركة الأمير محمد شريف عودة؛ الحاخام نفتالي روتنبرغ؛ والأسقف الدكتور رفيق نهرا؛ والحاخامة عدينا بار-شالوم.
ناقش المشاركون كيف يمكن للدين أن يسهم في تعزيز السلام، وكيف يمكن للاعتقاد الديني العميق أن يكون مصدرًا للاعتراف بالآخر، والرحمة، واحترام الحياة، حتى في الظروف الصعبة.
تناول النقاش أيضًا مسؤوليات القيادات الدينية ودور المؤسسات التعليمية في تحويل قيم السلام إلى ممارسات ملموسة.
تعقيبات ورؤى
بعد النقاش الرئيسي، تم تقديم مجموعة من المداخلات من قبل البروفيسور راسم خمايسي، والحاخامة نعما دافني، والمحامي إيتان لدرر.
تناولت المداخلات مسؤولية القيادات الدينية في تعزيز قيم الرحمة والعدل والسلام، والعلاقة بين الدين والمجتمع، وسبل إدارة الخلافات وتحويل الحوار إلى وسيلة لبناء الثقة.
كان التحول من الخوف إلى الثقة من أبرز الأفكار التي تم التأكيد عليها خلال المؤتمر، حيث أكدت النقاشات أن بناء الثقة يتطلب الاعتراف بوجود الخلافات والعمل على التعامل معها بإنصاف.
وفقًا لهذا، تناول المشاركون المسؤولية الفردية والجماعية في تشكيل علاقات قائمة على العدل والاحترام، وضرورة تطوير آليات تتيح معالجة الخلافات بالحوار.
حلقات نقاش معمّق
وقبل بدء المؤتمر الرسمي، عقدت حلقات نقاش تناولت قضايا متنوعة مرتبطة بالعيش المشترك.
أحدها كان بعنوان “من صحيفة المدينة إلى ميثاق مدني للمسؤولية المشتركة”، وأدارها المحامي هاني طنوس، بينما كانت أخرى بعنوان “من الخلاف إلى الحوار – كيف نبقى معًا رغم الاختلافات؟”.
كما عُقدت جلسة تناولت سؤال “كيف نريد أن تبدو إسرائيل في المستقبل، وما هو دور الإعلام في بناء هذا المستقبل؟
أعطت هذه الجلسات مجالاً للحوار المفتوح حول تعدد الهويات والاختلافات، ودور الحوار والإعلام في تشكيل آراء المجموعات تجاه بعضها، سواء في تعزيز الخوف أو التعاون والتواصل.
فعاليات اليوم الثاني:
مع فجر يوم الجمعة انطلقت فعاليات اليوم الثاني، حيث أُقيمت صلاة التهجد وصلاة الفجر.
شهدت ساعات الظهيرة وصول الوفود من الضفة الغربية والأردن.
تمت إقامة فعالية خاصة لرفع راية الأحمدية في ساحة المسجد، تبعها فقرة تبليغ في قاعة المسجد، بحضور الرجال والنساء.
تضمنت الفقرة التبليغية تلاوة للقرآن الكريم، وكلمة ترحيبية، ومحاضرة قصيرة حول الأدلة الشرعية الخاصة بمصداقية مؤسس الجماعة، أعقبتها فقرة للإجابة عن أسئلة الضيوف.
وفي المساء، تمت الفقرة الختامية برئاسة أمير الجماعة، حيث افتتحت بتلاوة من القرآن الكريم، تلاها إنشاد قصيدة عربية من نظم مؤسس الجماعة، ثم كلمة بعنوان “حب مؤسس الجماعة لسيدنا محمد صلى الله عليه وسلم” ألقاها الداعية عماد الدين المصري. كما ناقش الحاج راشد خطاب، رئيس مجلس أنصار الله، موضوع “قدسية نظام الخلافة وأهميته”.
وانتهى البرنامج بكلمة للداعية المسؤول شمس الدين بعنوان “الجماعة الإسلامية الأحمدية سبيل السلام وضمان الأمن”، وتبعتها كلمات للضيوف ثم اختتم اللقاء بالدعاء.
رسالة الجلسة لهذا العام
في ختام الجلسة، أكدت الجماعة الإسلامية الأحمدية أن مناقشة ميثاق المدينة لا تهدف لتقديم حدث تاريخي كنموذج قابل للتطبيق حرفيًا على واقعنا المعاصر.
تهدف هذه المناقشة إلى فتح مجال للتفكير في المبادئ التي يمكن أن تعزز قدرة المجتمعات على إدارة خلافاتها وبناء مجتمع قائم على العدل والاحترام والمسؤولية المتبادلة.
وابتهج المؤتمر بأن العيش المشترك لا يعني بالضرورة التوافق، بل يستدعي وجود إطار من القواعد والمبادئ تتيح الاختلاف دون أن يتحول إلى قطيعة.
وبذلك، تم التأكيد على أهمية التحول من منطق الخوف إلى الثقة، من فرض الرواية الواحدة إلى الاستعداد للاستماع لروايات متعددة، ومن انتظار التغيير من الآخرين إلى تحمل كل فرد مسئوليته تجاه مجتمعه.
أبرزت الرسالة الختامية أن التعامل مع الخلافات الراهنة ينبغي أن يأخذ بعين الاعتبار مستقبل الأجيال القادمة، وأن تأسيس علاقات قائمة على العدالة والاحترام والحوار يمكن أن يسهم في بناء مجتمع مستقر.
يعلمنا التاريخ أن الأوقات تتغير، لذا فإن من مصلحة الطرفين المتفاوضين الاتفاق على مبادئ العدالة والاحترام، لكي لا تعود الأجيال القادمة تحمل أعباء أخطاء الماضي.
كما أن عدالة القوي واعتداله تجلب له السلام، بينما صبر الضعيف والتزامه الأخلاقي بالقانون يجلب له الطموح والقدرة على الازدهار.
النهاية
للتنسيق والحصول على معلومات إضافية:
أيمن المالكي
منسق الإعلام
هاتف: 0526367885
البريد الإلكتروني: Foreign@amjk.org
صادر عن الجماعة الإسلامية الأحمدية في الديار المقدسة.
