توحيد الله عز وجل هو أعظم مقام، وشهادة التوحيد “لا إله إلا الله” تعبر عن إقرار لله سبحانه باستحقاق العبادة وحده دون شريك، وتنفي وجود أي شركاء معه. ومن اتبع ما تدل عليه كلمة التوحيد “لا إله إلا الله” نال السعادة في الدنيا والآخرة. أما الشرك بالله، فهو من أخطر الأمور، ويعد الذنب الأكبر الذي لا يُغفَر. قال الله تعالى: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ}(النساء:48). وذكر ابن كثير أن “{لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}” تعني: لا يغفر لعبد كان مشركًا به. و”{وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ}” تعني من الذنوب “لمن يشاء” من عباده. وعن جابر رضي الله عنه قال: (جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ فقال: مَنْ مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، ومَنْ مات يشرك بالله شيئًا دخل النار) رواه مسلم.
ينقسم الشرك بالله عز وجل إلى قسمين: الأول هو الشرك الأكبر ويشمل عدة أنواع: الشرك في الربوبية، وهو الاعتقاد بوجود متصرف في الكون بجانب الله سبحانه؛ والشرك في الألوهية، وهو صرف عبادة أو نوع من أنواعها لغير الله عز وجل؛ والشرك في الأسماء والصفات، وهو الاعتقاد أن هناك مخلوقًا يتصف بصفات الله عز وجل. وقد جمع النبي صلى الله عليه وسلم هذه الأنواع في عبارة واحدة حين سئل عن الشرك بالله، فقال: (أن تجعل لله نِدًّا وهو خلقك) رواه البخاري. وقال السعدي في كلامه عن الشرك الأكبر: “أن يجعل لله ندًّا يدعوه كما يدعو الله، أو يخافه، أو يرجوه، أو يحبه كحب الله، أو يصرف له نوعًا من أنواع العبادة”.
القسم الثاني من الشرك هو الشرك الأصغر. ورغم أن الشرك الأصغر لا يخرج من الإسلام ولا يُخَلد صاحبه في النار، إلا أنه يجب الحذر منه والابتعاد عنه، فلو لقي العبد ربه به دون توبة، كان تحت مشيئة الله إن شاء عفا عنه، وإن شاء عذبه ثم أدخله الجنة. يُعد الشرك الأصغر مدخلًا إلى الشرك الأكبر ووسيلة للوقوع فيه، وقد سمّاه النبي صلى الله عليه وسلم شركًا.
للشرك الأصغر أشكال وأنواع متعددة، وقد قال ابن القيم في “مدارج السالكين”: “وأما الشرك الأصغر: فكيسير الرياء، والتصنع للخَلق، والحلف بغير الله، وقول الرجل ما شاء الله وشئتَ، وهذا مِنَ الله ومنك، وأنا بالله وبك، ومالي إلا الله وأنت، وأنا متوكل على الله وعليك، ولولا أنت لم يكن كذا، وقد يكون شركاً أكبر بحسب قائله ومقصده”. ويلزم التنويه إلى أن صور الشرك عديدة يصعب حصرها. قال ابن القيم: “والشرك أنواع كثيرة، لا يحصيها إلا الله، ولو ذهبنا نذكر أنواعه لاتسع الكلام أعظم اتساع”.
بما أن الشرك بالله يحمل كل هذه المخاطر، فقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم أمته منه، وسدَّ ذرائعه، وأغلق أبوابه – سواء كانت صغيرة أو كبيرة -، ونهى عن كل ما قد يؤدي إليه من قول أو فعل، حماية لمقام وجناب التوحيد، ونصحًا للأمة ورأفة بها.
ومن صور الشرك الأصغر التي نهى عنها النبي صلى الله عليه وسلم وحذر منها: لبس الحلقة لدفع البلاء أو رفعه بعد وقوعه أو قبله.
لبس الحلقة ونحوها:
لبس الحلقة والخيط وما شابه ذلك لرفع البلاء أو دفعه هو من صور الشرك الأصغر. فالحلقة عبارة عن قطعة مستديرة مصنوعة من الحديد أو الذهب أو الفضة أو النحاس، والخيط مصنوع من الصوف أو ما إليه، وقد كان العرب في الجاهلية يفعلون ذلك لطرد الضر أو جلب النفع. وقال ابن الأثير موضحًا سبب اعتباره شركًا: “كانوا يعتقدون أن لبس الحلقة والخيط هو العلاج والشفاء، وجعلوها شركًا لأنهم أرادوا بها دفع المقادير المكتوبة عليهم، فطلبوا دفع الأذى من غير الله الذي هو دافعه”.
وقد ذكر عمران بن حصين رضي الله عنه موقفًا للرسول صلى الله عليه وسلم لحماية التوحيد والتحذير من الشرك، ففي هذا الموقف رأى النبي صلى الله عليه وسلم رجلًا يرتدي حلقة مصنوعة من النحاس الأصفر، فسأله عن سبب لبسها فأجاب الرجل بأنه لبسها لتحفظه وتشفيه من الألم، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بنزعها وطرحها، وأخبره أنها لا تنفعه بل تضره، وأنها تزيد الداء الذي لُبست من أجله..
عن عمران بن حصين رضي الله عنه: (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلًا في يده حَلْقَة (الحلقة هي الشيء المستدير الذي يوضع على العَضُد أو على الذراع) من صُفْرٍ (النحاس الأصفر)، فقال: ما هذا؟ قال: من الوَاهِنَة (نوعٌ من المرض يصيب اليد)، فقال: انزعها (النزع هو الجذب بقوة) فإنها لا تَزيدك إلا وَهْنًا (ضعفًا)، فإنك لو مُتَّ وهي عليك ما أفلحْتَ أبدًا) رواه أحمد والحاكم، والحديث صححه بعض العلماء وضعفه آخرون.. وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(مَن عَلَّقَ تَميمةً فقد أَشرَك) رواه أحمد. (تميمة): هي تَعْويذةٌ تُعلَّق على الآدميِّ مِن خَرَزات، أو قِلادة من معدن أو خيط، أو حِجارة، أو وَرَقٍ مَكْتوب، أو غير ذلك، وهذا الفِعل كان مِن عادات وأفعال الجاهليَّة يَعتقِدون فيها أنَّها تَقيهِم وتحمِيهم مِنَ السوء والآفات وتردُّ القَدَر، فنبَّه النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم أنَّ مَن فعَل ذلك بهذا الاعتِقاد (فَقَدْ أشرك) أي: فعَل فِعْل أهْل الشرك، وأشرك بالله شِرْكًا أصغر، إنِ اعتقَدَ أنَّها سَبَبٌ مُؤثِّرٌ في جلْبِ الخير والقوة أو دَفع الضُّرِّ والضعف..
وفي “شرح سنن ابن ماجه“: “(رأى رجلًا) من المسلمين (في يده حَلْقة) أي: خاتم أو سوار (من صفر) أي: من نحاس (فقال) له النبي صلى الله عليه وسلم (ما هذه الحَلْقة؟) أي: ما هذا الخاتم، لِمَ اتخذْتَها ولَبِسْتَها؟ فـ (قال) الرجل له صلى الله عليه وسلم: (هذه) الحلقة اتخذتها وقاية ورقية (مِن الواهنة) أي: من مرض الواهنة، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: (انزعها) أي: انزع هذه الحلقة واخلعها عنك (فإنها) أي: فإن هذه الحلقة (لا تزيدك) أي: أن لُبْسها لا يزيدُك (إلا وهنًا) أي: ضعفًا في الإيمان حيث تركتَ التوكل على الله والاعتماد عليه في شفائك. قوله: (مِن الواهنة) قال في “النهاية”: الواهنة: عرق في المنكب يأخذ وجعه الإنسان وفي اليد كلها.. وإنما نهاه عنها لأنه إنما اتخذها على أنه تعصمه من الألم، فكانت عنده في معنى التمائم المنهي عنها”.
وفي كتاب “التمهيد لشرح كتاب التوحيد”: “(ما هذه؟) فإن قيل: فما نوع الاستفهام في هذا الحديث؟ الجواب أنَّ مِنْ أهل العلم مَنْ قال: إنه استفهام إنكار، ولكن المسؤول لم يفهم أنه إنكار، بل فهم أنه استفصال، فلذلك أجاب فقال: (مِن الواهنة). وقال آخرون مِن أهل العلم: إنه يحتمل أن يكون استفهام استفصال، أو استفهام إنكار، ولهذا أجاب المسؤول بقوله: (من الواهنة)، والأظهر: الأول، يعني: أنه يفيد الإنكار الشديد.. فعلى كلا القولين: يكون قد لبسها لأجل تعلقه بها، لرفع المرض، أو لدفعه. والواهنة: نوع مرض من الأمراض يهن الجسم، ويطرحه، ويضعف قواه.. قوله: (فإنها لا تزيدك إلا وهنا): يعني: أن ضررها أقرب من نفعها، وهذا شامل لجميع أنواع الشرك، فإن ما أُشرك به ضرره أعظم مِن نفعه، لو فُرض أنَّ فيه نفعا، وقد قال العلماء في قوله هنا: (انزعها فإنها لا تزيدك إلا وهنا) يعني: لو كان فيها أثر فإن أثرها الإضرار بَدنيا، وروحيا، ونفسيا.. وهذا حال كل مَنْ أشرك فإن شركه يجره مِنْ ضرر إلى ضرر أكثر منه، وإن ظن أنه في انتفاع”.
قوله: (فَإِنَّكَ لَوْ مِتَّ وَهِيَ عَلَيْك ما أَفْلَحْتَ أبدا) أي: إن عَمِلْتَ هذا العمل بعد قيام الحُجَّة عليك مِن رسول الله صلى الله عليه وَسَلم ما أفلحتَ أبدًا، فإن المشرك يُعامَل بنقيض قصده، لأنه علق قلبه بما لا ينفعه ولا يدفع عنه، فإذا كان هذا بحلقة صفر فما الظن بما هو أعظم من الأقوال والأفعال التي توقع في الشرك بالله عز وجل؟!
ومن فوائد الحديث: أن لِبْس الحلقة وغيرها لرفع البلاء والمرض بعد نزوله أو دفعه قبل نزوله مِنَ الشرك بالله. ومنها: إنكار المُنْكَر وتعليم الجاهل، وأنه ينبغي لمن أراد إنكار المُنْكَر أن يسأل أولا عن الحال.. ومنها كذلك: ضرر الشرك في الدنيا والآخرة.
الإسلام هو دين التوحيد، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه وأمته من بعدهم من الشرك – سواء الأكبر أو الأصغر – تحذيرًا شديدا، ونهاهم عن كل ما قد يوصل إليه. لم يترك النبي بابًا من أبواب الشرك إلا وأغلقه.. وفي قوله صلى الله عليه وسلم: (انزعها فإنها لا تَزيدك إلا وَهْنًا) يشير إلى أن من تمسك بشيء من هذه الأشياء – التي تُلبس في اليد أو تُعلق في الرقبة – واعتقد أنها تعالج أو تحميه من الشر والمرض، فإنه يكون قد وقع في شرك بالله عز وجل، ويتساوى في ذلك الرجال والنساء..
