
تكشف إفادات حديثة لأسرى معزولين ومحامين ومؤسسات حقوقية فلسطينية، عن منظومة عزل تتجاوز إبقاء الأسير منفرداً داخل زنزانة، لتتحول إلى شبكة من الأقسام المغلقة في عدد من السجون الإسرائيلية، ينتقل بينها الأسرى بقرارات من إدارة السجون، فيجدون أنفسهم أمام عزل متكرر لا يفصلهم عن رفاقهم فحسب، بل يقطع كذلك صلتهم المستقرة بالعالم الخارجي.
وخلال عام 2026، برز سجنا مجدو وجانوت، المعروفان سابقاً بنفحة وريمون، كموقعين رئيسيين لاحتجاز الأسرى المعزولين، فيما أظهرت حالات عدة أن النقل بينهما بات جزءاً من مسار الاحتجاز نفسه.
في تموز/يوليو الماضي، نُقل خمسة أسرى من عزل مجدو إلى عزل جانوت، وهم حسن سلامة، ومهند شريم، ورزق الرجوب، وعبد الله البرغوثي، ومحمود عطا الله. وبعد وصوله إلى جانوت، تحدث الأسير حسن سلامة في رسالة مسربة عن تكرار عمليات القمع والتفتيش والاعتداء، وقال إن الأسرى تعرضوا للضرب خلال نقلهم من مجدو إلى جانوت، وكذلك عند إخراجهم للقاء المحامين.
ويظهر مسار الأسير إسلام حامد صورة أخرى لهذا التنقل؛ إذ مر، وفق إفادة عائلته، بالنقب ثم نفحة، قبل دمج نفحة وريمون ضمن ما يعرف حالياً بجانوت، ثم نُقل إلى عزل مجدو، قبل أن يعاد لاحقاً إلى جانوت.
وفي آب/أغسطس، أُبلغ الأسير حسن عرار بقرار عزله مجدداً ونقله إلى زنازين عزل مجدو، بعد أيام فقط من خروجه من عزل نفحة، حيث أمضى نحو شهرين ونصف. ووفق هيئة شؤون الأسرى والمحررين، تحدث عرار عن ظروف قال إنها شملت تقليص ساعات النوم، وانتهاك الخصوصية، والاعتداءات، وسحب المتعلقات الشخصية، والحرمان من الفورة في معظم الأحيان.
وخلال العام نفسه، تكرر اسم جانوت في التقارير المتعلقة بأوضاع الأسرى المعزولين، مع الإشارة إلى وجود نحو 18 أسيراً في العزل داخله في إحدى الفترات. كما برز مجدو في حالة الأسير معمر شحرور، فيما شهد سجن نفحة نقل الطبيب الأسير حسام أبو صفية إلى العزل في حزيران/يونيو.
المرض داخل الزنزانة
لا ينفصل العزل عن تدهور الأوضاع الصحية للأسرى، وفق الشهادات المنشورة. ففي رسالة مسربة من عزل جانوت في تموز/يوليو، قال حسن سلامة إنه يعاني من إسهال متواصل منذ عام، وينتظر إجراء فحص بالمنظار لم يُجرَ، كما تحدث عن حاجته إلى نظارة وطبيب أسنان.
وأشار إلى أن طبيباً يزور قسم العزل مرة واحدة شهرياً، وأن الزيارة تكون سريعة ولا تتضمن، بحسب وصفه، فحوصاً كافية للأسرى.
وفي حالة الطبيب حسام أبو صفية، جاء نقله إلى العزل في نفحة في حزيران/يونيو وسط تقارير فلسطينية تحدثت عن تدهور وضعه الصحي وحرمانه من العلاج اللازم.
أما معمر شحرور، فقد أفادت مصادر فلسطينية في آب/أغسطس بتمديد عزله عاماً إضافياً بقرار من محكمة إسرائيلية، في وقت يستمر عزله الانفرادي في جانوت منذ شباط/فبراير 2024، بعد أن سبق أن عُزل في مجدو.
ووفق المعطيات المنشورة، يعاني شحرور من الروماتيزم ومشكلات حركية في أصابع اليدين والقدمين، بعد حرمانه من العلاج والحقن الشهرية، كما فقد أكثر من 20 كيلوغراماً من وزنه، ليصل إلى 48 كيلوغراماً.
قمع وتفتيش وطعام لا يكفي
في رسالته من جانوت، قال سلامة إن الأسرى تعرضوا خلال أقل من عشرة أيام لأربع عمليات قمع وتفتيش، تخللتها اعتداءات بالضرب، إلى جانب ما قال إنه تعرضهم للضرب أثناء نقلهم من مجدو إلى جانوت وعند خروجهم للقاء المحامي.
وتحدث كذلك عن تراجع كمية الطعام المقدمة في جانوت مقارنة بما كانت عليه في مجدو، قائلاً إنها لا تكاد تكفي، وإن ذلك جعل الأسرى يشعرون بالجوع بصورة مستمرة.
أما وقت الخروج إلى الساحة، فوصفه بأنه يقتصر على ساعة واحدة لكل غرفة، وفي مساحة ضيقة قال إنها لا تصل إليها أشعة الشمس.
ورغم وجود أسرى آخرين في السجن نفسه، قال سلامة إنه يعرف أسماء عدد منهم، لكنه لا يستطيع التواصل معهم، في صورة تعكس طبيعة العزل الذي لا يقتصر على منع الحركة، بل يمتد إلى قطع التواصل بين الأسرى أنفسهم.
إسلام حامد.. هزال وغياب الوداع
وفي نيسان/أبريل 2026، أفادت عائلة الأسير إسلام حسن حامد بنقله من عزل مجدو إلى عزل جانوت، وقالت إنه فقد نحو 10 كيلوغرامات من وزنه ويعاني من هزال شديد، كما تحدثت عن تعرضه للضرب في تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
وبحسب العائلة، تلقى حامد داخل السجن خبر وفاة والده، من دون أن يتمكن من وداعه، لتضاف العزلة عن المحيط الخارجي إلى فقدان أحد أفراد أسرته في ظروف لم تسمح له بالمشاركة في لحظة الوداع.
العزل لا يستثني الأسيرات
ولا تقتصر سياسة العزل على الأسرى الرجال. ففي 31 آب/أغسطس، أعلن نادي الأسير الفلسطيني نقل الصحفية والأسيرة بشرى الطويل من سجن الدامون إلى العزل في سجن الرملة.
ولم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض فيها الطويل للعزل، إذ أفادت عائلتها بخضوعها له عدة مرات في الدامون، من بينها فترة استمرت 14 يوماً خلال نيسان/أبريل. ومع عزلها الأخير، تحدثت المعطيات عن ظروف صحية صعبة، من بينها إصابتها بمرض سكايبوس الذي انتشر بين عدد من الأسيرات.
عامان من العزل
ويقضي الأسير مروان البرغوثي في العزل منذ تشرين الثاني/نوفمبر 2023، وفق ما أورده مكتبه، وتعرض خلال هذه الفترة لنقل متكرر بين أقسام العزل في عدد من السجون الإسرائيلية.
وفي تموز/يوليو 2026، تحدث مكتبه عن تشديد إجراءات عزله في جانوت، فيما أشارت تقارير إلى تعذر لقاء محاميه به خلال فترة سابقة، قبل أن يتقدم المحامون بالتماس إلى القضاء الإسرائيلي بشأن الزيارة.
المحامي.. منفذ الصوت إلى الخارج
في ظل القيود المفروضة على الزيارات العائلية، تمثل زيارة المحامي إحدى القنوات الأساسية التي يستطيع الأسير من خلالها إيصال أخباره إلى الخارج. إلا أن مؤسسات فلسطينية معنية بشؤون الأسرى تحدثت خلال 2026 عن صعوبات وتأخيرات في زيارات المحامين، ولا سيما مع عمليات النقل المتكرر بين السجون وأقسام العزل.
وفي حالة الطبيب حسام أبو صفية، وصلت معلومات عن ظروف احتجازه إلى عائلته عبر محاميه. وخلال إحدى الزيارات، طلب أبو صفية، وفق ما نقله مكتب إعلام الأسرى عن محاميه، إيصال صوته إلى الصحفي أنس الشريف، معتقداً أنه لا يزال على قيد الحياة، في حين كان الشريف قد استشهد في آب/أغسطس 2025، بحسب ما أعلنته مصادر إعلامية فلسطينية.
وتكشف هذه الحالات أن العزل لا يتوقف عند باب الزنزانة، بل يمتد إلى الحركة بين السجون، والوصول إلى العلاج، والتواصل مع المحامين، ومعرفة ما يجري خارج الأسوار.
وبين القرارات التي تصدرها إدارة السجون، والشهادات التي ينقلها الأسرى ومحاموهم، وما توثقه المؤسسات الحقوقية، تبقى ظروف العزل بحاجة إلى متابعة مستقلة ومستمرة، خصوصاً في ما يتعلق بالحالة الصحية، ومدة العزل، وأسباب تمديده، وحق الأسير في التواصل مع العالم الخارجي.
