في إحدى المومياوات المصرية المثيرة للجدل، تمكن فريق من الباحثين المصريين من الكشف عن جانب من أسرار “المومياء الصارخة”، وهي مومياء لامرأة تم العثور عليها عام 1935 في منطقة الدير البحري بالأقصر، تحت مقبرة سنموت، المهندس المعروف الذي خدم في عهد الملكة حتشبسوت خلال الأسرة الثامنة عشرة (1479-1458 قبل الميلاد).
استندت الدراسة، التي تم نشرها بالتفصيل في مجلة “Frontiers in Medicine“ (فرونتيرز إن ميديسين)، على استخدام التصوير المقطعي المحوسب وتحليلات أثرية وكيميائية متقدمة لفهم هوية المرأة وحالتها الصحية وطرق التحنيط، بالإضافة إلى تفسير ملامحها الجذابة.
تطرقت الدراسة إلى المومياء المعروفة برمز CIT8، المخزنة في المتحف المصري بميدان التحرير بالقاهرة، والتي عرفت بفمها المفتوح بطريقة غير عادية، مما جعلها تبدو كأنها تطلق صرخة frozen عبر الزمن.
من هي المرأة التي حيرت علماء الآثار؟
ووفقاً للدراسة التي نشرتها مجلة “فرونتيرز إن ميديسين” في أغسطس/ آب 2024، أظهرت صور الأشعة المقطعية أن صاحبة المومياء كانت امرأة في منتصف العمر تقريباً، حيث قُدر عمرها عند الوفاة بحوالي 48 عاماً. كما كشفت الفحوص عن آثار تآكل طبيعي في الأسنان وبعض التغيرات المرتبطة بالتقدم في السن في المفاصل والعمود الفقري. ومع ذلك، لم يتمكن الباحثون من العثور على دليل قاطع يشير إلى إصابة قاتلة أو مرض محدد تمثل السبب في وفاتها.
ومع مرور أكثر من 3500 عام على دفنها، بقي جسدها في حالة احتفاظ ملحوظ بالتفاصيل التي مكنت العلماء من إعادة بناء جزء من قصتها.
مفاجأة تقلب مفاهيم التحنيط القديمة
كانت إحدى النتائج الأكثر إثارة تتعلق بطريقة التحنيط ذاتها. فقد ظل الاعتقاد السائد لفترة طويلة أن الاحتفاظ بالدماغ والأعضاء الداخلية مثل الكبد والرئتين والمعدة والأمعاء داخل الجسم يعني تحنيطًا غير مكتمل أو إهمال من المحنطين، كون عادة قدماء المصريين كانت تتمثل في إخراج الأعضاء الداخلية ووضعها في ما يعرف بالأواني الكانوبية الأربعة، وهو ما لم يحدث مع المومياء الصارخة، إذ بقيت أعضاؤها داخل بطنها ولم يوجد دليل على فتح البطن.
لكن التحليلات الحديثة قدمت صورة مخالفة تماماً. إذ تبين أن المحنطين استخدموا مواد قيمة مستوردة من خارج مصر، مثل راتنج العرعر والبخور، وهما مادتان معروفتان بخصائصها الحافظة والمضادة للبكتيريا والحشرات. وهذا يشير إلى أن المرأة قد حظيت بعناية جنائزية عالية المستوى، لا تقل أهمية عن تلك التي كانت مخصصة لكبار الشخصيات في عصرها في الإمبراطورية المصرية الحديثة.
سر الجمال المدفون
لم تقتصر المفاجآت على طرق التحنيط فقط، بل امتدت أيضًا إلى مظهر المرأة الأنيق. فقد أظهرت الفحوص أن شعرها عُولج بالحناء، وكانت ترتدي باروكة مصنوعة من ألياف سعف النخيل المبرومة بعناية.
كما عُثر على مادة بلورية سوداء استخدمت لتثبيت أجزاء من الباروكة والحفاظ عليها، مما يقدم أدلة نادرة على تقنيات التجميل وصناعة الشعر المستعار لدى المصريين القدماء، وفقًا لما ورد في “فرونتيرز إن ميديسين”.
هل كانت الصرخة حقيقية؟
يبقى السؤال الأكثر إثارة هو: لماذا ظل فم المومياء مفتوحاً؟ الباحثون يعتقدون أن الإجابة قد لا تتعلق بأخطاء في التحنيط كما كان يُعتقد سابقًا. وفقاً لتفسيرهم، قد تكون المرأة قد توفيت أثناء معاناتها من ألم شديد أو انفعال قاسي أدى إلى حدوث ظاهرة نادرة تُعرف باسم “تشنج الجثة”، حيث تتجمد العضلات فور الوفاة وتحتفظ بالتعبير الأخير عن الوجه.
تشير المجلة العلمية المحكمة التي تصدر في سويسرا إلى أنه إذا كان هذا التفسير صحيحًا، فإن ما نراه اليوم ليس مجرد تشوه نتج عن الزمن، بل قد يكون آخر تعبير على وجه امرأة عاشت في مصر القديمة قبل آلاف السنين. كما ذكر الباحثون أن “التيبس الرمي” والتغيرات التي تحدث في الأنسجة بعد الوفاة وطرق الدفن قد تكون قد ساهمت أيضًا في هذا المظهر الفريد.
شاهد صامت على اللحظة الأخيرة
تخلص الدراسة إلى أن “المومياء الصارخة” لا تعتبر مثالاً على التحنيط الفاشل، بل، على العكس، قد تكون دليلاً على طقوس دفن معقدة تم استخدام فيها مواد ثمينة وتقنيات متطورة بالنسبة لعصرها. وفمها المفتوح، الذي أثار مخيلة الناس والباحثين لعدة عقود، يبقى شاهداً صامتاً على لحظة إنسانية أخيرة محفوظة عبر القرون، كما لو أن الزمن نفسه تجمد عند تلك الصرخة التي لم يُسمعها أحد.
وفقًا لموقع “ذا صن” البريطاني (الأربعاء 9/9/2026)، يشير هذا الاستنتاج إلى أنه بغض النظر عن سبب وفاة المرأة، فقد عمل المحنطون بسرعة كافية للحفاظ على الجثة قبل أن تسترخي عضلاتها. ويضيف الموقع: “إذا كان هذا التفسير صحيحًا بالفعل، فهذا يعني أن المحنطين المصريين تمكنوا من الحفاظ على نهاية حياة هذه المرأة المؤلمة لعقود عديدة قادمة”.
مراجعة: طارق أنكاي
