
منذ احتلال الضفة الغربية عام 1967، وضعت إسرائيل خططًا متعددة المسارات للتعامل مع الأراضي الفلسطينية، كان الاستيطان أحد أبرز أدواتها. ولم تعد سياسة الاستيطان تقتصر على إقامة تجمعات سكنية جديدة، بل ارتبطت، على مدى عقود، بإجراءات تهدف إلى السيطرة على الأرض وتجزئتها، بما يضعف إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة وقابلة للحياة.
فالاستيطان في الضفة الغربية لا يقتصر على كونه سياسة سكنية أو توسعية، بل بات جزءًا من منظومة أوسع تجمع بين التخطيط والبنية التحتية والإجراءات الإدارية والعسكرية، وتؤثر بصورة مباشرة في توزيع السكان والسيطرة على الأراضي وحرية الحركة. ويشير تقرير للأمم المتحدة صدر في 24 أيلول/سبتمبر إلى أن التوسع الاستيطاني استمر بمعدل مرتفع، بالتوازي مع تصاعد عنف المستوطنين والقيود المفروضة على حركة الفلسطينيين، إلى جانب إجراءات إدارية تعزز السيطرة الإسرائيلية على الضفة الغربية. كما حذّر التقرير من أن إجراءات تسجيل الأراضي في المنطقة (ج) قد تسهم في تسوية أوضاع المستوطنات والبؤر وتوسيعها، وتضع عوائق جديدة أمام إثبات الملكية الفلسطينية.
ولم يعد التوسع الاستيطاني يقتصر على بناء مستوطنة جديدة أو إقامة بؤرة هنا وأخرى هناك، بل أخذ شكلًا أكثر اتساعًا، يتداخل فيه الاستيلاء على الأراضي مع العنف وفرض قيود على وصول الفلسطينيين إلى ممتلكاتهم ومصادر رزقهم.
وفي 29 أيلول/سبتمبر، شهدت قرية جالوت جنوب نابلس واحدة من أحدث صور هذا التمدد. فقد هاجم أكثر من مئة مستوطن القرية، بعد محاولة عائلة الطوباسي العودة إلى منزليها اللذين أُجبرت على مغادرتهما في تموز/يوليو إثر اعتداءات ومضايقات متكررة من المستوطنين. وجاءت محاولة العودة بعد قرار للمحكمة العليا الإسرائيلية يقضي بتمكين العائلة من استعادة منزلها. لكن المستوطنين هاجموا المكان، وأحرقوا منازل ومركبات، وأغلقوا طرقًا، واشتبكوا مع القوات الإسرائيلية، ما أدى إلى إصابة ثلاثة من أفراد شرطة حرس الحدود، وانتهت العملية بإجلاء العائلة مجددًا وعدم تمكنها من الاستقرار في منزلها.
وفي اليوم نفسه، تعرضت قرية المغير شرق رام الله لهجوم آخر، إذ أُحرقت مركبات ومبانٍ، وأُلقيت قنبلة حارقة باتجاه منزل بينما كان أفراد الأسرة بداخله، وفق تقارير إسرائيلية وفلسطينية. كما تعرضت قرية قريوت جنوب نابلس لاعتداء من مستوطنين، أُصيبت خلاله امرأة مسنّة، بالتزامن مع الاعتداء على ممتلكات ومنازل فلسطينية.
ولا يمكن فصل هذه الاعتداءات عن وجود البؤر الاستيطانية وانتشارها في محيط القرى الفلسطينية. ففي حالة المغير، تحدثت مصادر فلسطينية عن ارتباط الهجمات ببؤر استيطانية أقيمت شرق القرية. وهنا تتحول البؤرة من مجرد مجموعة مبانٍ إلى نقطة انطلاق لفرض واقع جديد على الأرض، من خلال التضييق على السكان والوصول إلى الأراضي المحيطة بها.
لكن التمدد لا يحدث عبر العنف وحده. ففي 17 أيلول/سبتمبر، استُكمل طرح العطاءات المتعلقة بمشروع E1، بإجمالي 3,401 وحدة استيطانية، بعد إعادة توزيعها على عطاءين. وتكتسب المنطقة أهمية خاصة بسبب موقعها شرق ال، إذ حذّر تقرير للأمين العام للأمم المتحدة من أن تنفيذ مشروع E1 ستكون له آثار خطيرة على التواصل الجغرافي بين شمال الضفة الغربية وجنوبها.
وفي مسار آخر، تتقدم خطط لبناء وحدات جديدة وتسوية أوضاع بؤر استيطانية قائمة. ووفق المكتب الوطني للدفاع عن الأرض ومقاومة الاستيطان، نوقشت خلال أيلول/سبتمبر خطط لدفع بناء 1,670 وحدة سكنية، بينها خطط لتسوية أوضاع ثلاث بؤر، منها «عين يطاف» و«ماعوز» و«عادي عاد»، وتحويل الأخيرة إلى حي تابع لمستوطنة «عميحاي».
ويمتد أثر هذه السياسة إلى ما هو أبعد من المباني والوحدات السكنية. فقد وثقت الأمم المتحدة اعتداءات طالت الأراضي الزراعية والمراعي ومصادر المياه وسبل العيش، في وقت تتزايد فيه القيود على وصول الفلسطينيين إلى أراضيهم. ووفق تقرير الأمم المتحدة الصادر في 24 أيلول/سبتمبر، وثقت المنظمة أكثر من 1,430 حادثة مرتبطة بالمستوطنين منذ بداية عام 2026
