أدى التقدم التكنولوجي الكبير في قدرات الشرطة إلى زيادة بمئات النسب المئوية في عمليات التنصت، بينما تجاوزت الشرطة في كثير من الحالات الطرق القانونية للموافقة على التنصت، وعملت بطريقة غير قانونية.
هذه هي الخلاصة الرئيسية لتقرير خطير أصدره مراجع الدولة، متهانيا أنغلمن، حول عمل الشرطة في الفترة 2016–2021، بخصوص التنصت واستخدام الأدوات التكنولوجية.
موافقة شبه كاملة من القضاة دون إدراك الخروقات
وفق التقرير، يوافق رؤساء المحاكم الإقليمية ونوابهم على أكثر من 90% من طلبات الشرطة للحصول على أوامر تنصت (13 ألف طلب من أصل 14 ألف في الفترة 2019–2021)، دون أن يكون القضاة على دراية بوجود مخالفات في إجراءات الشرطة.
مخالفات جسيمة وخطيرة
يظهر من تقرير المراجع أن الشرطة نفذت “أعمالًا ممنوعة وخطيرة ومؤذية” مع تجاوزها مرارًا وتكرارًا القيود القانونية، دون إبلاغ المستشار القانوني للحكومة، ودون موافقة قانونية، ومع إخفاء بيانات عن المحاكم.
وكتب المراجع:
“تم جمع كمية هائلة من نتائج التنصت من آلاف أهداف التنصت، ما يمثل إمكانية إضرار جوهري بحقوق الفرد.”
الانتهاكات بدأت بطلبات غير سليمة واستمرت بأدوات غير مصرح بها
بدأت الإجراءات غير القانونية بتقديم طلبات غير سليمة للأوامر، واستمرت بتقديم معلومات غير دقيقة أو إخفاء معلومات عن القضاة، واستخدام أدوات تكنولوجية غير معتمدة من المستشار القانوني، وجمع نتائج تنصت محظور استخدامها.
ملف “بيغاسوس” فقط جزء من المشكلة
يركز جزء كبير من التقرير على ما يسمى “قضية بيغاسوس وبرمجيات التجسس” — أوامر تنصت على اتصالات بين الحواسيب، وهي أوامر للتجسس الخفي عن بُعد على الهاتف دون علم صاحبه عبر إدخال برنامج يقرأ كل محتوى الجهاز.
ومع ذلك، التقرير لا يقتصر على قضية التجسس التي تم تعليق استخدامها منذ 2022، بل يتناول كل أنواع التنصت والأدوات التكنولوجية المختلفة، ووجد فيها مخالفات وإجراءات غير قانونية دون رقابة من النيابة والمستشار القانوني.
تجاوزات متواصلة في آليات الموافقة
كتب المراجع:
“خلال السنوات تبنت الشرطة طرقًا ملتوية للعملية القانونية السليمة لتقديم الطلبات، بحيث لم تعد تحتاج إلى موافقة مستويات عليا في الشرطة أو النيابة أو فحص من المحاكم. هذه الآليات الملتوية تسمح بالموافقة على تنفيذ التنصت واستخدام الأدوات التكنولوجية تحت رقابة متراجعة، وبدون رقابة خارجية على الجهات التنفيذية في الشرطة.”
إخفاء معلومات عن المحكمة
فحص مكتب مراجع الدولة نحو 14 ألف طلب لتنصت قدمته الشرطة لرؤساء المحاكم أو نوابهم في الفترة 2019–2021.
وأظهرت النتائج أن الشرطة تخفي معلومات عن المحكمة.
وكتب المراجع:
“تبين أن نماذج الطلبات غير معبأة كما يجب. هذا الأسلوب حول عملية تقديم الطلب إلى إجراء تقني، رغم أنها عملية جوهرية وحساسة. تقديم الطلبات بهذه الطريقة يضر بقدرة المحكمة على فحص جوهر الطلبات وضرورتها… وقد يضلل المحكمة.”
ووجد المراجع مشكلة خاصة في أوامر التنصت على القاصرين وضحايا الجرائم، وكذلك على شركاء ثانويين في الجرائم.
وقال المراجع إن “الحذر المطلوب عند تقديم طلب تنصت على شريك ثانوي في الجريمة.”
وفي فحص عينة شمل 10 ملفات، وجد فجوات في 9 منها.
على سبيل المثال، في طلبات التنصت نسبت الشرطة جرائم رئيسية لشركاء ثانويين رغم عدم وجود تقييم يثبت مشاركتهم.
التنصت على أصحاب الحصانة والمسؤولين
وفق توجيه النائب العام، هناك جرائم أو قضايا حساسة تتطلب موافقة مدعٍ قبل بدء التحقيق.
في 11 ملفًا على الأقل من الفترة 2019–2021 لم توجد موافقات مدعٍ.
وتتعلق الأوامر الاستثنائية مثلًا بالتنصت على أصحاب الحصانة المهنية أو الشخصيات العامة.
لسنوات طويلة كان منصوصًا في التوجيهات أن التنصت على صاحب حصانة مثل محامٍ، صحفي، طبيب، طبيب نفسي، عامل اجتماعي، رجل دين أو شخصية عامة يتطلب موافقة ضابط رفيع أو النيابة.
هذا الترتيب قيد الشرطة للتنصت فقط في حالات الاشتباه بارتكاب جريمة خطيرة ضمن قائمة محددة بالقانون.
في 2018 غيرت النيابة هذا الترتيب، في سياق “إدارة إجراءات جنائية محددة”.
وقررت النيابة أنه إذا كان التنصت على شخص ليس صاحب حصانة، لكن هناك احتمال كبير أن يتواصل مع صاحب حصانة، يكفي الموافقة بأثر رجعي وليس مسبقًا.
ويؤكد المراجع أن النتيجة كانت إزالة الحماية الواسعة التي كان القانون يوفرها لأصحاب الحصانة، دون إعداد رأي قانوني يشرح الانحراف الكبير عن السياسة السابقة.
ووجد المراجع 3 قضايا من الفترة 2015–2022 قدمت فيها طلبات موافقة بأثر رجعي للتنصت على أصحاب حصانة مشتبه بهم في رشاوى واحتيال وتجارة أعضاء (في حالة طبيب).
ويقول المراجع:
“لو قُدمت الطلبات مسبقًا لما كانت ستلبي حدود الجرائم المحددة بالقانون، وكانت سترفض فورًا.”
زيادة هائلة في الأوامر الاستثنائية
الأوامر الاستثنائية تسمح للشرطة بإضافة تفاصيل بعد موافقة المحكمة دون فحص فردي.
وتستخدم الشرطة أحيانًا نوعين من الأوامر الاستثنائية:
-
الأمر الاستثنائي أ: لا يقتصر على رقم الهاتف المذكور.
-
الأمر الاستثنائي ب: يتضمن تسهيلات إضافية مثل إضافة أهداف جديدة غير مذكورة.
ووجد المراجع أن الشرطة استخدمت الأوامر الاستثنائية على نطاق واسع، وحولت استخدامها من استثنائي إلى روتيني.
عدد الأوامر الاستثنائية تضاعف ثلاث مرات خلال ثلاث سنوات.
43% من نحو 14 ألف طلب تنصت في الفترة 2019–2021 كانت طلبات لأوامر استثنائية.
في التنصت على الاتصالات بين الحواسيب (التجسس)، كانت 89% من الأوامر استثنائية، و39% من أوامر التنصت العادية أُقرت كأوامر استثنائية.
الاستماع لفترات طويلة دون موافقات
نوع آخر من الأوامر الاستثنائية يتعلق بالتنصت لفترة طويلة.
وفق الإجراءات، يلزم موافقة رئيس وحدة مكافحة الجرائم (أحم) لأوامر تزيد عن 6 أشهر، وموافقة مدعٍ إقليمي لأكثر من سنة.
لكن الشرطة اعتمدت تفسيرًا مخففًا أحاديًا، بحيث تُحسب الأيام لكل قضية على حدة.
وبذلك أجرت تنصتًا لأكثر من سنة على هدف في عدة ملفات دون موافقة مدعٍ إقليمي.
وفي عينة من أهداف هم شخصيات عامة، لم تُعثر على موافقة رئيس أحم في 57% منها.
مخالفات في توثيق الأدوات والرقابة
الشرطة تدير معلومات تركيب الأدوات التكنولوجية يدويًا وفي أنظمة متعددة، وليس في نظام مركزي واحد.
نتيجة لذلك، تحدث خلل في إدارة وتركيب الأدوات، مما قد يؤثر على سلسلة الأدلة.
ووجد المراجع أن الشرطة لم تحرص على إدارة سجلات العمليات التي توثق استخدام الأدوات.
كما تم العثور على 19 حالة خطيرة في الفترة 2019–2021، تم فيها تركيب أداة على هدف بريء بسبب خطأ بشري، أو تركيب أداة بدون أمر مناسب أو أمر ساري.
بيغاسوس وأدوات غير مصرح بها
يذكر المراجع أن 7.65 مليون نتيجة تنصت تم جمعها بواسطة أداة تكنولوجية واحدة.
بعض الأدوات لم تُعتمد أصلًا ولم تكن معروفة للنيابة والمستشار القانوني.
وكتب المراجع أن الشرطة استخدمت 9 طرق تركيب في السنوات الأخيرة، 3 منها كانت ممنوعة وتم إلغاؤها لاحقًا من قبل المستشار القانوني، واستخدامها كان بدون سلطة.
كما استخدمت الشرطة 6 أدوات مساعدة بدون موافقة قانونية، واكتفت بمراجعة قانونية داخلية دون رأي مفصل أو موافقة المستشار القانوني.
وذكر المراجع أن الشرطة استخدمت أداة تكنولوجية منذ 2016 مئات المرات دون تنظيم تشريعي، ودون موافقة المستشار القانوني، ودون مناقشة قانونية جوهرية.
وفي يناير 2016 وثّق جهاز الشرطة في وثيقة داخلية كل أنواع النتائج التي يحصل عليها من هذه الأداة، بما في ذلك حوالي عشرة نتائج وقدرات محظورة، ولم تُوقف حتى انفجار قضية بيغاسوس في 2022.
وفي 12 هدفًا فحصها المراجع، في 11 منها قامت الشرطة على الأقل بعمل واحد محظور على نتائج التنصت.
وفي 7 أهداف أخرى، وجدت وثائق أن هناك شك في إنتاج أو استخدام نتائج محظورة، وتم التأكد من 3 أهداف منها.
بالمجمل، وجد المراجع 14 هدفًا تم استخدام نتائج تنصت محظورة في 10 ملفات.
رد النيابة
النيابة قالت إنها منذ اندلاع القضية اكتشفت أكثر من 30 ملفًا تم استخدام بيغاسوس فيها وجمع نتائج محظورة، لكن فقط في ملف واحد أثرت هذه النتائج على الأدلة وأدت إلى إدانة مشتبهين.
الشرطة ترد
قالت الشرطة:
“شرطة إسرائيل هي جهة إنفاذ قانون، وكل الأحداث التي فحصها التقرير تمت وفق القانون وبأوامر قضائية وتفسير قانوني. ويُظهر التقرير ازدراءً لرؤساء المحاكم.”
وأضافت أن التقرير يتناول أحداثًا قديمة من 2016–2021، وأن جميع الدروس المستفادة من تقرير لجنة مارري (أغسطس 2023) نُفذت، وأنه تم تطوير آليات رقابة داخلية وخارجية.
كما شددت الشرطة على أن غياب الأدوات التكنولوجية والافتقار لتشريع حديث يعيق مكافحة الجريمة.
وقالت أيضًا إن التقرير قدم صورة جزئية وتجاهل عمل الشرطة في إنقاذ حياة الناس ومكافحة الجريمة بموارد محدودة وقانون قديم.


