«العالم كله موجود في الهاتف المحمول؛ الجهة الوحيدة غير الموجودة فيه هي شرطة إسرائيل. منذ عام 2006 تطلب الشرطة صلاحيات لتنفيذ تفتيشات سرّية في الهواتف، واستخراج محتوى من الأجهزة دون علم أصحابها، لكنها لا تحصل على الموافقات من المنظومة القانونية والقضائية.
آخر تحديث لقانون التنصّت كان عام 1995. الفجوة بين الشرطة ومنظمات الجريمة تتسع. الشرطة عمياء، بتشريعات متقادمة وصلاحيات تتناقص. الجريمة لا تنتظرنا».
بهذه الكلمات يفسّر مسؤولون في الشرطة القفزة غير المسبوقة بمئات النسب المئوية في أحداث القتل والجريمة الخطيرة في السنوات الأخيرة، والأخطر من ذلك صعوبة حلّ هذه الجرائم.
«من دون أدوات تكنولوجية لا توجد فعالية. مقترحات القوانين الخاصة بالتفتيش السري وتحديث قانون التنصّت عالقة في الكنيست منذ 20 عامًا، والمشرّع لا يقرّها.
الشرطة مضطرة لأخذ أدوات (تنصّت) وتعطيلها، كأننا اشترينا طائرة F15 ونزعنا أجنحتها وسرنا بها على الطريق».
حتى عام 2016 كان معدل جرائم القتل 110 حالات سنويًا. اليوم الرقم أعلى بثلاثة أضعاف.
وبحسب استخبارات الشرطة، فإن نزيف السنوات الأخيرة بدأ مع انقسام منظمات الجريمة في المجتمع العربي التي سيطرت على ساحة الجريمة، بعد تحييد معظم المنظمات «اليهودية».
اليوم يوجد أكثر من 20 منظمة جريمة محلية في المجتمع العربي، ولكل منظمة كبيرة التحقت عصابات محلية، تشكّلت ائتلافات وكذلك معارضات، ومن هنا جاءت حروب التصفيات التي لا تنتهي.
انقسمت منظمات إلى أجزاء؛ فعلى سبيل المثال انقسمت عائلة الجريمة حريري إلى قسمين (وسام مقابل ناصر)، وكذلك عائلة الجريمة جرّوشي (إسماعيل مقابل زيد)، وارتفعت مستويات العنف بشكل أُسّي.
حتى أفراد عائلات عادية، معلمين وحتى أطباء، قُتلوا ودفعوا ثمن هذه الصراعات.
بالمناسبة، تعلّمت الشرطة أن حلّ قضايا القتل لا يفكك منظمات الجريمة، لأن «الجندي» الذي نفّذ القتل يُستبدل في اليوم التالي. ما يفكك المنظمات هو إدخال عملاء، تجنيد شهود دولة، فكّ ملفات الابتزاز بالحماية، والملفات التي تمسّ القيادات ومحور التنظيم.

(صورة أرشيفية لأغراض التوضيح فقط: المتحدث باسم الشرطة)
وفي هذا السياق قال مسؤول في الشرطة:
«بنينا ملفًا مذهلًا ضد ناصر حريري حول ابتزاز أراضٍ، لكنه تلقّى حكم سجن غير طويل، وها هو ناصر حريري خارج السجن مجددًا بعد إفراج إداري الأسبوع الماضي. قريبًا سنشعر بتأثيره من جديد».
تشرح الشرطة أن منظمات الجريمة أصبحت أكثر خطورة بسبب إغراق الدولة بالسلاح.
«على الحدود الشرقية والجنوبية هناك أوتوستراد لتهريب السلاح، بفضل القفزة التي حققتها الطائرات المسيّرة»، يقول مسؤول في الشرطة.
«نسخ مزيّفة من بنادق M16 تدخل البلاد بكميات كبيرة عبر الحدود، وهي أدوات تطلق النار وتقتل».
إضافة إلى ذلك، يستمر تسرّب الذخيرة من الجيش. مسؤولية اعتراض الطائرات المسيّرة على الحدود محددة كمسؤولية الجيش، والشرطة تساعد، لكن السلطات تجد صعوبة في الإحباط، في حين تتطور الطائرات المسيّرة باستمرار وتُزوّد بوسائل مضادة للحرب الإلكترونية تصعّب رصدها.
النتيجة: إذا كان المجرمون في الماضي يطلقون النار ببندقية «كارلو» بدائية، فاليوم تعثر الشرطة في مسارح الجريمة على سيارات محترقة تُترك أحيانًا وبداخلها الأسلحة. لا توجد مشكلة في «العرض».
سهولة نقل الأموال
تأثير آخر للقفزة التكنولوجية العالمية في السنوات الأخيرة، إلى جانب الطائرات المسيّرة والمعدات المتطورة، هو أن منظمات الجريمة لا تجد صعوبة في تمويل عمليات قتل، ولا تعاني من نقص في السيولة.
أسهم عالم العملات الرقمية (الكريبتو) كثيرًا في ذلك، وقد دخل بقوة إلى منظمات الجريمة بفضل «جيل ألفا» من أبناء العشرينات، كما يشرح مسؤول في الشرطة.
في السنوات الأخيرة ظهرت عملات افتراضية «مستقرة» غيّرت السوق. عندما تريد منظمة جريمة تنفيذ عملية قتل، تحوّل عملة رقمية عبر صرّاف (تشينجر) إلى المنفذين.
عملة USDT مثلًا مرتبطة بالدولار، ما يمنح المجرمين شعورًا بالاستقرار النسبي.
تسهيل إضافي للمجرمين يأتي من الذكاء الاصطناعي، الذي يسمح بتسريع عمليات الاحتيال ودعمها، وتوسيع القنوات المالية للمنظمات.
من القنوات المفضلة لديهم مثلًا: مواقع الفوركس، وهي منصات استثمار وهمية.
سهولة تحويل الأموال عبر الكريبتو هي أيضًا أحد التفسيرات لاكتشاف عدد كبير من «الجواسيس» الذين ينفذون عمليات بتوجيه من عملاء إيرانيين.
تُحوّل العملات إلى محافظ مشفّرة، من دون الحاجة للقاء في مقهى ما، ومن دون نقل حقائب أموال.
يقول مسؤول في الشرطة إن لدى الشرطة قدرة تكنولوجية على «الجلوس» على شبكة الكريبتو (البلوك تشين) والوصول إلى منفذي الصفقات، لكن الجزء الأصعب هو الموافقات القانونية.
في شبكة البلوك تشين التحويلات بين المحافظ مكشوفة، أما الجزء السري الذي يتطلب تفكيكًا فهو معرفة لمن تعود المحافظ الإلكترونية.
ولهذا، ومن أجل الإجابة عن كل سؤال، تطلب الشرطة الوصول إلى حسابات واتساب وتطبيقات الهاتف، حيث يوجد تقريبًا كل المعلومات ذات الصلة.
تكنولوجيا واغتيالات تحت الأنف
تشتكي الشرطة من تصلّب المنظومة القضائية، لكن أدوات تجسس مثل «بيغاسوس» التي تُزرع في الهواتف وتنفّذ مراقبة وتفتيشًا عن بُعد، شُغّلت دون رقابة وبخلاف أوامر المحاكم.
النتيجة: منذ نشر قضية «بيغاسوس» في صحيفة «كالكاليست» في كانون الثاني/يناير 2022، علّق المستشار القضائي للحكومة أفيحاي مندلبليت استخدام «البرمجيات التجسسية»، ولم توافق المستشارة القضائية غالي بهراف-ميارا حتى اليوم على استئناف استخدامها.
طالبت المستشارة بهراف-ميارا بإقرار قانون ينظم تشغيل البرمجيات التجسسية في جميع جرائم الجريمة الخطيرة (بموافقة قاضٍ بالطبع)، لكن الحكومة طالبت بإزالة ملفات جرائم الرشوة – التي يكون المشتبه فيهم فيها منتخبين عموميين – من قائمة الأهداف المسموح تشغيل التجسس ضدها.
وهكذا لم يُقرّ قانون، ولم يُسمح بتشغيل برمجيات تجسسية ضد أي نوع من الجرائم، حتى ملفات القتل والجريمة الخطيرة أُخذت «رهينة» بيد السياسيين الذين يهتمون بالحكم من زاويتهم فقط.
«لا يمكنك الانتصار في ساحة معركة ضد المجرمين بلا أدوات. الطريقة التقنية القديمة للتنصت على الهاتف الأرضي لم تعد ذات صلة»، يقول مسؤول في الشرطة.
اليوم كل شيء يحدث على الهاتف المحمول: المجرمون يرسلون عبر التطبيقات صور أهداف للتصفية، صور عبوات ناسفة، أسلحة يريدون بيعها أو نقلها.
الشرطة لا تستطيع الوصول إلى هذه الاتصالات إلا إذا صادرت الجهاز فعليًا، لأن وسائل التنصت أُخذت منها.
للتنصت في الوقت الحقيقي وتعويض الوسائل التي سحبها المستشارون القانونيون والسياسيون المؤيدون للإصلاح القضائي، تضطر الشرطة لاستثمار موارد أكبر وأكثر تعقيدًا، مثل تركيب «تنصت جماعي» يتطلب اقتحامًا فعليًا لسيارة أو منزل أو محل، بدل «الاختراق عن بُعد» السهل والمتاح تقنيًا.
«عندما تتسلح منظمات الجريمة بالتكنولوجيا، يعمل رجال الشرطة بالمطرقة والإزميل»، يقول مسؤول في الشرطة.
الحل هو زيادة الاحتكاك مع المجرمين بوسائل تقليدية، مثل إغراق المناطق النازفة بقيادات ميدانية من الشرطة وحرس الحدود، يحتكون بالمجرمين يوميًا لكن بمعلومات ناقصة عن خططهم.
النتيجة: عشرات عمليات الاغتيال تحت الأنف.
من دون أدوات تكنولوجية لا يمكن الوصول إلى من يقف خلف الجرائم؛ شبكات التواصل الاجتماعي تمنح أدوات متزايدة لإخفاء هوية المجرمين – مثل المتحرشين بالأطفال الذين يختبئون خلف شخصيات وهمية.
القانون لا يتعامل مع «السحابة»
معظم المعلومات اليوم محفوظة في «السحابة». لنفترض أن كاميرا وثّقت جريمة خطيرة – في كثير من الحالات لا يُحفظ التسجيل على القرص الصلب للكاميرا، بل يُرفع مباشرة إلى سحابة شركات التكنولوجيا.
المشكلة أن القانون لا يتعامل مع هذه السحابات. القانون يمنح الشرطة صلاحية داخل حدود إسرائيل فقط، بينما السحابة خارج حدود الدولة.
هكذا توجد تسجيلات لأحداث خطيرة لا تستطيع الشرطة الوصول إليها لأنها محفوظة في سحابة في مكان ما. (مع تحفظ: في بعض الحالات وبعد مصادرة هاتف فعليًا، توافق المحاكم على أمر تفتيش في السحابة – لكن التطبيق يعتمد على عوامل أخرى، مثل موقع الخوادم والدول).
في المستقبل القريب، ستكون معظم «الاتصالات» على شبكات الهاتف بين آلات.
وسيكون من المهم أيضًا للشرطة اعتراض هذا النوع من الاتصالات، عندما تُستخدم «الآلات» لتنفيذ جرائم.
على سبيل المثال، الطائرات المسيّرة المستخدمة للتهريب وغيرها من الجرائم تُشغّل عن بُعد عبر اتصال حاسوبي: «محادثة» بين جهاز التحكم والجسم الطائر.
للسيطرة على الأداة يجب على الشرطة اختراق الاتصال بين الطائرة وجهاز التحكم، لكن القانون لا يتطرق للتنصت على الاتصال بين آلات أو حواسيب.
يقول مسؤول في جهات إنفاذ القانون إن «أكبر تحدٍ للشرطة في هذا السياق هو المسار القانوني. المشكلة الأساسية أن التشريع لم يتقدم منذ 20 عامًا والشرطة لا تحصل على صلاحيات. النقاشات حول التفتيش السري بدأت في الكنيست عام 2006، لكن القانون لم يُقرّ حتى اليوم. لدى منظمات الجريمة اليوم سلاح جو (طائرات مسيّرة)، ولدى الشرطة فقط ووكمان. القدرات التي تُمنح للشرطة مُقزّمة».
(نُشر لأول مرة في «بوستا» حول استخدام منظمات الجريمة للطائرات المسيّرة: هل منظمة موسلي ترد؟ عبوة ناسفة أُلقيت من طائرة مسيّرة وانفجرت فوق بستان دِخّة).
الشرطة تدرك إخفاقات «بيغاسوس» كما حدّدها أيضًا هذا الأسبوع مراقب الدولة. التفسير هناك أن عدم المواءمة مع القانون أدى إلى عدم «تعطيل» الأدوات بما يكفي – أي عدم حصرها بالقدرات المسموح بها فقط دون القدرات المحظورة: الملاحظات، جهات الاتصال، اليوميات، كما كان في قضية ينيف زغوري.
«قمنا بتعطيل البرمجيات التي اشتريناها، لكن تبيّن أن ذلك غير كافٍ»، يشرح مسؤول شرطي مطّلع على مجال السايبر.
«حتى في هولندا ودول أخرى وُجدت تجاوزات، كتبوا تقارير وصحّحوا، لكنهم سمحوا للشرطة بمواصلة العمل. هنا في البلاد أُخذت الأدوات منذ كانون الثاني/يناير 2022 بعد النشر في كالكاليست. يجب انتقاد الشرطة، لكن بعد تمكينها من العمل. ما زلنا ننجح في كشف أحداث اعتمادًا على SIGINT (تنصّت)، لكن المطلوب هو خطأ من المجرم – أن يتحدث بمكالمة مكشوفة أو يرتكب خطأ آخر. من يرتكب الأخطاء غالبًا هم «الجنود» وليس قادة المنظمات».
«اليوم المجرمون يسخرون منا، يفعلون كل شيء هناك (في السايبر) ونحن لسنا هناك. من جهة نُحاسب على مستويات الجريمة والقتل التي ارتفعت بشكل لا يُحتمل، ومن جهة أخرى أيدينا مقيّدة».
ردّ الشرطة
وماذا ترد الشرطة على التقرير الخطير لمراقب الدولة متنياهو إنجلمان، الذي وجد أن الأدوات التكنولوجية التي شغّلتها لم تحصل أصلًا على موافقة قانونية؟
«تقرير المراقب هو تشريح بعد الوفاة (Post mortem)، نفّذنا متطلبات لجنة مراري، وصححنا كل الإخفاقات حتى نهاية 2023».
في أعقاب تقرير مراري أُنشئ طاقم جديد من القانونيين في شعبة السايبر، يراقب كل أداة تكنولوجية ويفحص أوامر المحاكم.
كل شهر تصدر الشرطة تقريرًا عن التنصت للمستشارة القضائية للحكومة.
كما ورد في تقرير مراقب الدولة:
«أُضيفت وظائف قانونيين في قسم الاستشارة القانونية للشرطة العاملين في مجال SIGINT–سايبر… نفّذت الشرطة مواءمات تكنولوجية وتعطيلات للقدرات، كي لا يتجاوز الاستخدام المستقبلي الصلاحيات… وسّعت الشرطة التفصيل في التقارير الدورية للمستشارة القضائية ليشمل أيضًا اسم الأداة التكنولوجية التي نُفّذ بها التنصت. الاستشارة القانونية تشارك منذ مرحلة شراء أو تطوير الأداة».
وأضاف التقرير:
«تشريع مجال التنصت لا ينظم صلاحيات الشرطة في العصر التكنولوجي الحالي، رغم أنها ضرورية لها بشكل حرج لأداء مهامها. تعليق استخدام الأداة التكنولوجية له تأثيرات مباشرة على قدرتها على مواصلة مكافحة الجريمة الخطيرة عمومًا، والتعامل مع تصاعد الجريمة في المجتمع العربي على وجه الخصوص».


