بهذه الطريقة تحدث الله عن يوم القيامة، موصفًا إياه بهذا الوصف الذي تهتز له الجبال قبل القلوب، وتجيش به النفوس، وتستيقظ له ضمائر الغافلين: (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ * فَمَا لَهُ مِن قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرُ)[الطارق:9].
إنه اليوم الذي تنفجر فيه ينابيع الحقائق، وتتمزق فيه ستور الخديعة.
في هذه الدنيا، يمكن للبشر أن يعيشوا بين مظاهر مصنوعة، وأقنعة موضوعة، يتستر خلفها بعضهم عن بعض، ويتجمل بها الآخرون.. لكن هناك ميقات ينكشف فيه الزيف، فلا تبقى فيه للمظاهر قيمة، بل تُفتح خزائن القلوب، وتُعرض مكنونات الصدور على رؤوس الأشهاد.
ما هي السرائر؟
السرائر جمع سريرة، وهي ما يكتمه الشخص في نفسه، ويستره عن عيون الخلق من عقائد، ونيات، ومقاصد، وأعمال خفية، وحتى الخواطر والعزائم.
قال الإمام ابن كثير: “يوم القيامة تُختبر السرائر، أي: تظهر وتبدو، ويصير السرّ علانية، والمكنون مشهوراً”.
وقال الإمام البغوي: “تُستبرأ السرائر فيُعرف ما فيها من الخير والشر، ومن الإيمان والكفر، والحق والباطل”.
في يوم القيامة، يكشف ما في القلوب فيظهر منها ما كان محجوبًا في الدنيا يخفيه صاحبه عن الخلق، وتفحص سرائر الجميع وتنقي النيّات ليتمايز خبيثها من طيبها.. إنه انكشاف تام، لا تفيد فيه زخرفة الأقوال، ولا بهرجة الأفعال، فأين يذهب المرائي برياءه النافق؟ وأين يختبئ المنافق بوجهه المستعار؟
يقول ابن القيم في كتابه (إغاثة اللهفان): “في الدنيا يعامل الله الخلق بالظواهر، ويتولى سرائرهم. أما في الآخرة، فإن الحكم والجزاء يدوران على السريرة، فمن كانت سريرته صالحة، صلح علانيته هناك، ومن كانت سريرته فاسدة، فسدت علانيته، فيا له من مشهد عظيم!”.
ويقول عبد الله بن عمر رضي الله عنه: “يُبدي الله يوم القيامة كل سر، فيكون زيناً في الوجوه، أو شيناً في الوجوه”. (يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ)[آل عمران: 106].
السرائر سر النجاة أو الهلاك
السرائر والنوايا والمقاصد من أعظم وأكبر أسباب النجاة في الدنيا والآخرة أو الهلكة فيهما:
ففي حديث الثلاثة الذين انطبقت عليهم الصخرة في الغار، وواجهتهم جميعًا مظاهر الموت، فلم يجدوا مخرجًا، ولم تنفعهم قوتهم، فلجأوا إلى الله بصالح سرائرهم وخبايا أعمالهم، فتوسلوا إلى الله بأعمال رأوا أنهم أخلصوا فيها، فقال كل منهم: “اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا”.
هذه هي السريرة النقية في الدنيا؛ فلما بلاها الله في محكمة الكُرَب، وجدها خالصة، فتحركت الصخرة الصماء بإذن الله.
وعلى النقيض، تأمل قصة الثلاثة الذين تُسعر بهم النار يوم القيامة: عالم، ومجاهد، ومتصدق! عملوا أعظم أعمال الدين: علم وصدقة وجهاد، وكانت مظاهر أعمالهم تهتز لها الدنيا، لكن حين جاء “يوم تبلى السرائر”، فُحصت النيات، فإذا العالم طلب الشهرة، والمجاهد بحث عن الثناء، والمتصدق أراد السمعة. فقيل لكل واحد منهم: “إنما فعلت ليقال كذا.. وقد قيل”، ثم سُحبوا على وجوههم في النار. فلم تنفعهم مظاهرهم لما فسدت مخابرهم.
خطوات لإصلاح السريرة
إن هذا المقال ليس لتخويف النفوس وتقنيطها، بل هو دعوة لتنبيه القلوب وإيقاظها، واستدراك ما فات بتصحيح المقاصد وتنقية السرائر.
وإليك خطوات عملية لعلك تجدها عونا لنا على إصلاح سرائرنا:
أولاً: تعهد الإخلاص:
اجعل لنفسك وردًا من مراقبة النية قبل كل عمل، وأثنائه، وبعده. وسل نفسك دائمًا: “لمن أفعل هذا الفعل، ووجه من أريد؟
ثانيًا: صناعة الخبايا الصالحة
اجعل بينك وبين الله خبيئة من عمل صالح لا يعلم بها أحد من خلقه؛ صلاة في جوف الليل، صدقة خفية، دمعة في خلوة، سجدة طويلة، كفالة يتيم، رعاية أرملة.. فهذه الخبايا هي حصنك يوم التغابن.
ثالثًا: تطهير القلب من الغل والحسد
فصاحب السريرة النقية لا يحمل ضغينة لمسلم. وفي قصة الرجل الذي بشره نبينا صلى الله عليه وسلم بالجنة ثلاث مرات، أنه كان لا ينام وفي قلبه غل على أحد من المسلمين.
رابعًا: قراءة سير الأنقياء
فإنه مما يحفز النفس، ويعلي الهمة، ويحث الإنسان على التشبه بهم:
فتشبهوا إن لم تكونوا مثلهم .. .. إن التشبه بالرجال فلاح
